ثمّ إنّ ما ذكره من ابتناء الكبرى ( 1 ) على التحسين والتقبيح العقليين غير ظاهر ، لأنّ تحريم تعريض النفس للمهالك والمضار الدنيوية والأخروية مما دلّ عليه الكتاب والسنة مثل التعليل في آية النبأ ، وقوله تعالى :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
« * » ، وقوله تعالى :
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
« * 2 » ، بناء على أن المراد العذاب والفتنة الدنيويان ، وقوله تعالى :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
« * 3 » ، وقوله تعالى :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
« * 4 » ، وقوله تعالى :
أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ
« * 5 » ، إلى غير ذلك .
شرح
( 1 ) مراده قدّس سرّه من تحريم تعريض النّفس للمهالك والمضار الدّنيويّة والأخرويّة لا بدّ أن يكون أعمّ من التّحريم الإرشاديّ العقلي أو خصوص الإرشاديّ ، ضرورة عدم تصوّر التّحريم الشّرعي بالنّسبة إلى المقطوع من الضرر الأخروي فضلا عن المظنون أو المحتمل منه ، بل الأمر بالنّسبة إلى تعريض النّفس للمهالك الدّنيويّة أيضا كذلك ، فإنّ الضّرر الدّنيوي وإن كان قابلا لتعلّق الوجوب الشّرعي بدفع المظنون منه ، بل المشكوك منه من باب الموضوعيّة ، إلّا أنّه خلاف ما يستفاد من الأدلّة ، فإنّ ما ذكره من الآيات على تقدير دلالتها على حكم التّعريض المدّعى صدقه في صورة الظّن بالضّرر لا يدلّ ، إلّا على الطلب الإرشادي وأكثرها يرجع إلى الإيعاد على ترتيب لوازم مخالفة الشّارع ، مع أنّه قد يمنع من دلالتها على حكم صورة الظّن سيّما آية التهلكة ، ثمّ إنّه قد يناقش في الابتناء الّذي أفاده بقوله :
( بناء على أنّ المراد ) إلى آخره ، مضافا إلى ظهور الفتنة فيما أفاده بأنّ المدّعى أعمّ من الضّرر الدّنيوي والأخروي ، فالاستدلال يتمّ على كلّ تقدير .
هامش
( * ) سورة البقرة : الآية 195 .
( * 2 ) سورة النور : الآية 63 .
( * 3 ) سورة الأنفال : الآية 25 .
( * 4 ) سورة آل عمران : الآية 28 .
( * 5 ) سورة النحل : الآية 45 .