جهة اختفاء الأحكام الشرعية المسبب عن المكلفين المقصرين في محافظة الآثار الصادرة عن الشارع المبينة للأحكام والمميزة للحلال عن الحرام ، وهذا السبب وإن لم يكن عن فعل كل مكلف لعدم مدخلية أكثر المكلفين في ذلك ، إلّا أن التكليف بالعسر ليس قبيحا عقليا حتى يقبح أن يكلف به من لم يكن سببا له ويختص عدم قبحه بمن صار التعسر من سوء اختياره ، بل هو أمر منفي بالأدلة الشرعية السمعية وظاهرها أن المنفي هو جعل الأحكام الشرعية أولا وبالذات على وجه يوجب العسر على المكلف ، فلا ينافي عروض التعسر لامتثالها من جهة تقصير المقصرين في ضبطها وحفظها عن الاختفاء مع كون ثواب الامتثال حينئذ أكثر بمراتب ألا ترى أن الاجتهاد الواجب على المكلفين ولو كفاية من الأمور الشاقة جدا خصوصا في هذه الأزمنة فهل السبب فيه إلّا تقصير المقصرين الموجبين لاختفاء آثار الشريعة ، وهل يفرق في نفي العسر بين الوجوب الكفائي والعيني .
والجواب عن هذا الوجه أن أدلة نفي العسر سيما البالغ منه حدّ اختلال النظام والإضرار بأمور المعاش والمعاد لا فرق فيها بين ما يكون بسبب يسند عرفا إلى الشارع وهو الذي أريد بقولهم عليهم السلام : « ما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر » « * » وبين ما يكون مسندا إلى غيره ووجوب صوم الدهر على ناذره إذا كان فيه مشقة لا يتحمل عادة ممنوع ، وكذا أمثالها من المشي إلى بيت اللّه جل ذكره وإحياء الليالي وغيرهما مع إمكان أن يقال بأن ما ألزمه المكلف على نفسه من المشاق خارج عن العمومات لا ما كان السبب فيه نفس المكلف فيفرق بين الجنابة متعمدا ، فلا يجب الغسل مع المشقة وبين إجارة النفس للمشاق ، لأنّ الحكم في الأول تأسيس من الشارع وفي الثاني
هامش
( * ) الكافي : ج 3 ، ص 412 .