تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المأمول — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
وهناك دلالة ثالثة وهي دلالة الألفاظ على كون المتكلّم مريدا للإخبار وبصدده بإرادة جدّيّة لا هازلا أو كان في سخرية . ولا ريب في أنّ هذه الدلالة الثالثة إنّما هي ببناء العقلاء وليست بوضع فهذه الدلالة الثالثة أجنبيّة عن محل الكلام ، وإنّما الكلام في أنّ دلالة اللفظ الوضعيّة بإزاء المعنى الأوّل أم بإزاء الثاني ، وأنّ العلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى الذي ذكرناه أوّلا أم بين اللفظ والمعنى الثاني ؟ ذهب المشهور إلى كون العلقة بين اللفظ والمعنى التصوّري ، فهو يدلّ على معناه بالدلالة التصوريّة ، وذهب الشيخ الرئيس « 1 » والمحقق الطوسي « 2 » إلى الثاني وهو الذي يقتضيه النظر الدقيق . بيان ذلك : أنّا ذكرنا أنّ ظاهر حال الناطق أنّه في صدد إفهام ما ينطق به فدلالته على المعنى تابعة لإرادته منه ؛ إذ لو لم يرد المعنى لم تكن الدلالة الاستعماليّة متحقّقة أصلا ، بل على ما ذكرنا من معنى الوضع وأنّه التعهد والالتزام لا بدّ من كون العلقة الوضعية كما ذكرنا ؛ إذ لا معنى لأن يتعهّد الواضع أنّ اللفظ دالّ على معناه وإن صدر بغير شعور واختيار ؛ ضرورة أنّ دلالته حينئذ ليست باختيار الواضع حتّى يتعهّد بها . وما يقال من أنّا نتصوّر المعنى وإن صدر اللفظ من اصطكاك الحجرين فهو مسلّم إلّا أنّ هذه الدلالة هي الدلالة الأنسية وهي لا تتبع الوضع ، بل لو صرّح الواضع بأنه يضعها للمعنى المراد للمتكلّم لم تزل تلك الدلالة الأنسية ولو صدر اللفظ من اصطكاك الحجرين ، مضافا إلى أنّ حكمة الوضع كما أسلفنا ذلك هي التفهيم ليس إلّا ، فلا بدّ من كون دلالتها موقوفة على تحقّق قصد التفهيم .
هامش
( 1 ) راجع الشفاء : قسم المنطق ، المقالة الأولى من الفنّ الأوّل ، الفصل الثامن : 42 - 43 . ( 2 ) انظر الجوهر النضيد : 8 .