كرامت نفس ( 19 - 20 )
« رويدا يسفر الظّلام كأن قد وردت الأظعان يوشك من أسرع أن يلحق و اعلم يا بنيّ أنّ من كانت مطيّته اللّيل و النّهار فإنّه يسار به و إن كان واقفا و يقطع المسافة و إن كان مقيما وادعا .
و اعلم يقينا أنّك لن تبلغ أملك و لن تعدو أجلك و أنّك في سبيل من كان قبلك فخفّض في الطّلب و أجمل في المكتسب فإنّه ربّ طلب قد جرّ إلى حرب و ليس كلّ طالب بمرزوق و لا كلّ مجمل بمحروم و أكرم نفسك عن كلّ دنيّة و إن ساقتك إلى الرّغائب فإنّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا و لا تكن عبد غيرك و قد جعلك اللّه حرّا و ما خير خير لا ينال إلّا بشرّ و يسر لا ينال إلّا بعسر ( 19 ) .
و إيّاك أن توجف بك مطايا الطّمع فتوردك مناهل الهلكة و إن استطعت ألّا يكون بينك و بين اللّه ذو نعمة فافعل فإنّك مدرك قسمك و آخذ سهمك و إنّ اليسير من اللّه سبحانه أعظم و أكرم من الكثير من خلقه و إن كان كلّ منه .
و تلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك و حفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء و حفظ ما في يديك أحبّ إليّ من طلب ما في يدي غيرك و مرارة اليأس خير من الطّلب إلى النّاس و الحرفة مع العفّة خير من الغنى مع الفجور و المرء أحفظ لسرّه و ربّ ساع فيما يضرّه من أكثر أهجر و من تفكّر أبصر . ( 20 ) »