دلهاى نوجوانان ( 6 - 7 )
« أي بنيّ إنّي لمّا رأيتني قد بلغت سنّا و رأيتني أزداد وهنا بادرت بوصيّتي إليك و أوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي أو أن أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى و فتن الدّنيا فتكون كالصّعب النّفور و إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك و يشتغل لبّك لتستقبل بجدّ رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التّجارب بغيته و تجربته فتكون قد كفيت مئونة الطّلب و عوفيت من علاج التّجربة فأتاك من ذلك ما قد كنّا نأتيه و استبان لك ما ربّما أظلم علينا منه ( 6 ) .
أي بنيّ إنّي و إن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم و فكّرت في أخبارهم و سرت في آثارهم حتّى عدت كأحدهم بل كأنّي بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره و نفعه من ضرره فاستخلصت لك من كلّ أمر نخيله و توخّيت لك جميله و صرفت عنك مجهوله و رأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشّفيق و أجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك و أنت مقبل العمر و مقتبل الدّهرذو نيّة سليمة و نفس صافية و أن أبتدئك بتعليم كتاب اللّه عزّ و جلّ و تأويله و شرائع الإسلام و أحكامه و حلاله و حرامه لا أجاوز ذلك بك إلى غيره ثمّ