تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩

وجوب الفحص

أشرنا إلى أن التخيير بين المتعارضين أصل عملي يعتمد عليه الفقيه عند الشك في طريق الحكم وترجيح أحد المتعارضين أو تعادلهما . وهذا الشك ينتهي في واقعه إلى الشك في نفس الحكم . ومن المسلّمات والضرورات الدينية أن الشرط الأساسي لإعمال الأصل في الحكم المشكوك هو الفحص واليأس من العثور على الدليل وكل ما يمد اليه بسبب قريب أو بعيد ، وسبقت الإشارة إلى ذلك أكثر من مرة .

المقلّد وأصل التخيير

ليس شك أن المجتهد والمقلد بمنزلة سواء في جميع المسائل الفرعية ، كالتخيير في خصال الكفارة ، اما التخيير بين الخبرين المتعارضين فهو مسألة أصولية بحتة ، تقع في طريق الاستنباط ، وتختص بالمجتهد وحده مفتيا كان أم قاضيا ، فالمفتي يختار أحد الخبرين ويفتي المقلد بمعناه ومحتواه ، ولا يفتيه بالتخيير بين مؤدى كل من الخبرين . ونسب إلى المشهور أنه يفتيه بالتخيير لا بمعنى الخبر المختار بحجة أن المجتهد ينوب عن المقلد في معرفة التعادل وحكمه ، ويبين له ذلك في أسلوب الفتوى بالتخيير ! . وهذا اشتباه في التطبيق وخروج بالمسألة الأصولية إلى المسألة الفقهية . واتفقوا قولا واحدا على أن القاضي إذا عرضت له مسألة فيها تعارض وتعادل كمقدار الحبوة ، يختار ويحكم ، ولا يسوغ له ، بل لا يعقل بحال أن يخيّر المتخاصمين ، لأنه نقض للغرض المقصود من القضاء وفصل الخصومة حيث يختار كل طرف ما يحلو له ، فتحدث الفوضى ويتسع الخرق .

لا خيار بعد الاختيار

إذا اختار الفقيه أحد المتعارضين يجب أن يستمر عليه ، ولا يسوغ له العدول عنه بعد ذلك إلى ما ترك بخاصة إذا استلزم ذلك المخالفة القطعية ، لأن أخبار
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 439 | محمد جواد مغنية