تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
الواقع دون سواه ، وأمر المكلف بالتوصل اليه عن طريق خبر العادل لأنه أقل خطأ من غيره ، وأقرب الطرق الممكنة إلى المطلوب . وعلى القول بالسببية الباطلة يكون للحادثة الواحدة حكمان متكاذبان تبعا لتناقض الخبرين المتكافئين . وبما ان المكلف قادر على امتثال أحدهما لا على التعيين ، وعاجز عن امتثالهما معا - يقع التزاحم بين الحكمين في مقام الطاعة والامتثال ، وتجري قاعدة الأهم إن وجد ، وإلا فالتخيير ، لأن التعيين ترجيح بلا مرجح ، وهذه قاعدة مطردة في جميع الأشياء المتزاحمة بلا استثناء . وعلى القول بالطريقية كما هو الحق ، يتساقط الخبران المتعارضان حيث لا دليل على اعتبارهما وجواز العمل بهما ، أما الدليل الذي دل على الأخذ بخبر الواحد وقال : صدق العادل فلا يشملهما بحال لأنه مقيد عقلا وشرعا بعدم العلم تفصيلا وإجمالا بكذب المخبر وعدم معارضته بمثله تنزيها لكلام العليم الحكيم عن التناقض والتنافر . بل حتى العقلاء وأهل العرف يطرحون الأقوال المتناقضة المتنافرة ولا يعتمدون عليها أيا كان مصدرها . وإذا أردت شاهدا على ذلك فانظر إلى حالهم إذا تضاربت أهل الخبرة في شيء وناقض بعضها بعضا كيف يعرضون عنها ، فكيف بصاحب الشريعة وسيد العقلاء وأهل العرف ؟ . أجل ، ان للشارع أن ينشئ أمرا جديدا - غير أمره بتصديق الخبر المعبر عنه بدليل الاعتبار - يتضمن العمل بأحد الخبرين على التخيير ، ويكون هذا أصلا عمليا تماما كالاحتياط بالموافقة الاحتمالية عند تعذر الموافقة القطعية ، وليس طريقا إلى الواقع كما هو شأن الأمارة والخبر الواحد . والأمر بالتخيير موجود في كلام الشارع ، ويأتي عنه الحديث بعد قليل . وتسأل : هل يدل الخبران المتعارضان على نفي الثالث ، حتى على القول بالتساقط - مثلا - إذا قال أحدهما : هذا واجب . وقال الآخر : بل هو حرام فهل يدلان على أنه ليس بمكروه ولا مندوب ولا مباح بالمعنى الأخص ؟ . الجواب : ان الخبرين يتساقطان بالنسبة إلى ما تصادما وتنافرا فيه ، أما بالنسبة إلى ما تعاضدا على نفيه أو على اثباته فلا موجب للتساقط ، وعليه يدلان على نفي الثالث ، والنتيجة الحتم لذلك بعد التساقط والرجوع إلى الأصول العملية هي وجوب