تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
« ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
- 106 البقرة » .
« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
- 39 الرعد » . وأيضا يجوز نسخ الكتاب بالسنة الثابتة بالتواتر ، بل وبخبر الآحاد ما دام الكل من عند اللّه والعقل لا يأباه ، وإذا ساغ أن يكون الخبر الواحد مخصصا لعموم الكتاب يسوغ أيضا أن يكون ناسخا ، لأن كلا منهما بيان وطريق للكشف عن إرادة الشارع . هذا من حيث الإمكان والمبدأ ، أما من حيث الوقوع فلم يثبت عند الجعفريين نسخ الكتاب بالسنة ، لا بسنة متواترة ولا بخبر واحدا كان أو أكثر . هذا في حدود ظني ومعرفتي . ويجوز نسخ السنة بالسنة ، والدليل هو الدليل على جواز نسخ الكتاب بالكتاب وبالسنّة ، وفي ( مجمع البحرين ) للطريحي روي « في حديث النبي ( ص ) ناسخ ومنسوخ » . أيضا هذا من حيث الجواز والإمكان ، والوقوع يحتاج إلى تتبع وتمحيص . وفي ج 3 ص 186 من ( كشف الأسرار ) للأحناف عن النبي أنه قال : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها » . وأيضا في هذا الكتاب ج 1 ص 291 أن النبي « مثّل بقوم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في شدة الحر حتى ماتوا ، ثم نهى عن المثلة . . وأباح شرب أبوال الإبل ، ثم حرمها » . ويجوز نسخ إجماع انعقد في وقت من الأوقات ، بإجماع انعقد في وقت آخر بعده ، بمعنى أن يكتشف الاجماع الثاني ان الإجماع الأول استند إلى أصل غير أصيل ، ومدرك عقيم وعليل . والواقع ان هذا ليس من النسخ في شيء ، وإنما هو اكتشاف لموقع الداء والخطأ ، ومن هنا يسوغ لأي فقيه أن يخالف الإجماع إذا تبين له أن المجمعين اشتبه عليهم وجه الحق والصواب ، قال الشيخ الأنصاري في كتابه المعروف بالرسائل : « إذا اتفق القدماء على وجوب العمل بأخبار نجاسة البئر - مثلا - وترجح في نظر الفقيه عدم الوجوب فلا يضيره اتفاق القدماء » . ويأتي التفصيل والتحقيق في الجزء الثاني ان شاء اللّه ، أما الإجماع في كل عصر ومصر من عهد الصحابة إلى ما بعدهم بقرون - فلا ينسخه شيء لأن المجمع عليه كذلك تحول من الاجماع إلى الضرورة والبديهة .
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد — صفحة 192 | محمد جواد مغنية