وعشرين أغلبهم مدفونين في المقبرة بباب داره المعروفة بقبلة الدّعاء وكان قدّس سرّه أفضل المتقدّمين والمتأخّرين في أحوال الرّجال وله رسائل متكثّرة في هذا الفنّ وكان درسه منحصرا في الحديث ولا يعجبه التعمّق في أصول الفقه وقد ورد ارض العراق بعزيمة التّحصيل في حدود سبع وتسعين ومائة أو قريبا من ذلك وهو ابن ستّ أو سبع عشرة سنة ورجع إلى ديار العجم وعزم على التّوطّن في حدود ست وسبع عشرة بعد مائتين بعد الألف وحجّ بيت اللّه الحرام في سنة اثنتين أو احدى وثلاثين في طريق البحر واخذ في بنائه المسجد الأعظم في بيدآباد الّتى من أعظم ولايات أصفهان في حدود خمس وأربعين وانفق عليه ما يقرب من مائة ألف دينار شرعىّ ومال بقبلة إلى يمين قبلة ساتر المساجد يسيرا وجعل له مدارس وحجرات للطّلبة وأسس أساسا لم يعهد مثله من العلماء والمجتهدين وبنى فيه قبّة لمدفن نفسه واتّفق ان حقّق اللّه تعالى رجاه فدفن بعد ثلاثة ايّام من وفاته في تلك القبّة المنوّرة وهي الآن بمنزلة مشهد من مشاهد الأنبياء والائمّة صلوات اللّه تعالى عليهم أجمعين مطاف للخلائق في خمسة أوقات الصّلاة بل يطوى اليه المراحل من كلّ فجّ عميق ولم ير مثل يوم مثل يوم وفاته يوم عظيم ملأت زقاق البلد من أفواج الأنام رجالا ونساء يبكون عليه بكاء الفاقد والده الرحيم ومشفقه الكريم بحيث كان همهمة الخلائق تسمع من وراء البلد وغسل في بيته الشريف ثمّ اتى به إلى المسجد فصلّى عليه ولده الأفضل وخلفه الأسعد الأرشد والفقيه الأوحد والحبر المؤيّد والنّور المجرّد مولانا وسيّدنا السيّد أسد اللّه وكان وفاته بمرض الاستسقاء في عصيره يوم الأحد الثّانى من شهر ربيع الاوّل سنة ستّين بعد المائتين والألف وأغلقت أبواب أسواق البلد ايّاما متوالية بعد وفاته ثمّ انتشر نعيه إلى ساير بلاد الاسلام فأقاموا حقّ عزائه في جميع الأكناف والأطراف من المشاهد المقدّسة وغيرها إلى أن بلغ ارض الهند وبلاد التّركستان وما وراء النّهر واظهروا له جلائل الحزن واهدوا إلى روحه المطهّر ختماتهم الكلام المجيد وصالح دعواتهم من ظهر القلب ودارت فاتحة مصيبته في أطراف العالم قريبا من سنة كاملة وكان كثير التّحرز عن الأموال المشتبهة ومتجنيا كلّ الاجتناب عن استعمال شيء من أموال أرباب الدّيوان في اكله أو شربه فضلا عما يتعلق بصلاته أو وضوئه كما انّه اتّفق انّه اخذ لقمة يوما ووضع في فيه فظهر له انّه من تلك الأموال فأخرجه من فمه وألقاه وقال ما دخل في حلقي شيء من الأموال المشبهة إلى الآن وربما اتّفق ذهابه في مجلس بعضهم فاستصحب قطعات من القند ليشرب معه الماء الحارّ عوض ما تداول من شرب الچائى بل اتّفق انّه اشترى بناء مقدرا من الجصّ واستعمل في تعمير موضع من ارض الدّار وكان الموضع مما يمشى عليه في طريقه كلّ يوم إلى موضع وضوئه فاحتمل ان يكون وجه الحصّ المذكور من تلك الأموال فسئل عنه عن حقيقة الحال مصرّا فيه فأنكر ان يكون منه فلم يقبل منه وأظن قويّا انّه استخلفه فيه فأنكر أيضا ان يكون منه ولم يطب نفسه بذلك أيضا فترك مشيه ووضع قدميه على تلك القطعة من الأرض وكان ينحرف عنها حين وصوله إليها كما انّه ربما تقاطر شيء مما اشترى منها في محلّ صلاته فامر بالنّزع وتخريب سطح الأرض واخراج تراب هذا الموضع وممّا يكشف عن حقيقة الأموال المشبهة المستعملة ما ذكره بعض من انّى أحلت زمانا رجلا إلى خبّاز بان يأخذ منه الخبز كلّما شاء وسألت عن الخبّاز عن طلبه مقدار منّى فذكره واقرضته وأعطيته اليه وبعد وأعطاني شخص بعد مضىّ شهرين من الواقعة المذكورة مبلغا من الخمس والزّكاة لصرفه في المصارف وخطر بالبال انّه لا مال لي بمقدار وفاء القرض المذكور فالأحسن أداء القرض من المبلغ الزكوي فاديته منه فرأيت في المنام في آخر اللّيل انى اكل فضلة الانسان وإذا انتبهت تعجّبت وتحيّرت في سرّ هذا الامر الغريب وحقيقة هذا المطلب العجيب وزرت مولاي سيّد الشّهداء عليه آلاف التحيّة والثّناء فألهمت بعد الزّيارة انّ الستر لهذا الامر الفضيع الغريب ما اتّفق انّى اخذت يوما من الخبّاز لاضياف وردوا علىّ في زمان الحوالة المذكورة وما أعطيت وجه الخبز المذكور
وما قلت له ان تحاسب ووجه هذا الخبر المحول اليه ونسبت اعطاء وجه هذا الخبر وحاسب الخبّاز وجه هذا الخبز في وجه الخبز المحوّل اليه فاتّفق اعطاء وجه هذا الخبر
رسائل المحقق الكلباسى — صفحة 987
مساهمون: محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي
ص٩٨٧