تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل المحقق الكلباسى — صفحة 989

مساهمون:

ص٩٨٩
عادته ثمّ الشروع في الصّلاة والتعقيب والزّيارة والسّجدة مجرّدا رأسه الشّريف في سجدته وكان يتّفق كثيرا امتداد زمان اشتغاله بها من اوّل المغرب إلى مضىّ اربع ساعات أو خمس كما انّ تعقيباته بعد فراغه من صلاة الصّبح كان يطول إلى مضىّ ساعتين من النّهار من غير تكلّم في الأثناء الا لضرورة فائدة مهمّة عجيبه روى في البحار عن فلاح السّائل لابن طاوس انّه قال إن من المهمّات من يريد طول البقاء ان يكون من تعقيبه بعد كل صلاة ما رواه أبو محمّد بن هارون باسناده عن جميل بن درّاج انّه قال دخل رجل على أبى عبد اللّه ع فقال له يا سيّدى علت سنّى ومات اقاربى وانا خائف ان يدركني الموت وليس لي من انس به وارجع اليه فقال له ان من اخوانك المؤمنين من هو أقرب نسبا أو سببا وانسك به خير من انسك بقريب ومع هذا فعليك بالدّعاء ان يقول عقيب كلّ صلاة اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد وعجّل لوليّك الفرج والعافية والنّصر ولا تسؤنى في نفسي ولا في أحد من احبّتى ان شئت ان نسميهم واحدا واحدا فافعل وان شئت متفرّقين وان شئت مجتمعين قال الرّجل واللّه لقد عشت حتى سئمت الحياة قال أبو محمّد بن هارون انّ محمّد بن لحسن بن شمون البصري كان يدعوا بهذا الدّعاء فعاش مائة وعشرين سنة في خفض إلى أن ملّ الحياة فتركه فمات ونظيره ما رواه في الكافي في الصّحيح عن إسحاق بن عمّار انّه قال لما سئل مولانا الصّادق عليه السّلام شيئا لخوفه من العقارب فاجابه انظر إلى بنات النّعش الكوكب الأوسط منها لجنبه كوكب صغير منه يسمّيه العرب السّها ونحن نسميه اسلم أحد النّظر اليه كلّ ليلة وقل ثلاث مرّات اللّهم ربّ اسلم صلّ على محمّد وآل محمّد وعجّل فرجهم وسلّمنا قال إسحاق فما تركته من دهري إلا مرة واحدة فضربتنى العقرب وهذه خاصيّة عجيبه وقد ذكرها رئيس الفلاسفة أبو علىّ بن سينا فيما نظمه من مجرياته قال ومن رأى عشيته نجم السّها لم بدن منه عقرب يمسها ونظيره ما ذكره فيها من أن روية الشولة يوجب الوداد وروية كف الخصيب تقتضى العناد قال في شولة العقرب نجم توام براي عين من يراه يعلم إذا راه امرءان اصطحبا واتفقا ودّا وذا تحاببا إلى أن قال كفّ الخضيب فرقة إلى الأبد إذ أراه اثنان أو جماعة افترقوا إلى قيام السّاعة وذكر فيها عجائب أخرى وكان يعتبر في الاجتهاد في الفقه أمورا كاد ان لا يوجد الا في واحد بعد واحد كما ذكر في بعض تحقيقاته ولعمري انّه ليس في العلم علم بمكان الفقه في عسر الحصول حيث انّه لا مجال لرسم سطر فيه الّا وهو يحتاج إلى اكمال مباحث من الأصول بل الفقه بدون الأصول من قبيل النّتيجة بدون المقدّمة كما أن مجرّد الاطّلاع على قوانين الأصول لا يكشف عن حصول التّهيؤ القريب لاستنباط الاحكام عن المدارك ولا يكشف عن حصول الملكة المقابلة للحالة المنوطة بكثرة الاستنباط نظير انّ الاطّلاع على قواعد الخياطة لا يكشف عن حصول ملكة الخياطة بل لا بدّ من الممارسة وتوهّم الخلاف حبط بحث ومع ذلك لا بدّ فيه من اكمال الرّجال بناء على لزوم نقد الاخبار وفيه عرض عريض ومع ذلك لا بدّ في الفقه بل في جميع العلوم من التّقوى ومن الممتنع حصول الدّرجة القصوى في الفقه بدون التقوى وربط القلب بعالم الاسرار وكيف يتأتى القوّة القدسيّة وهي من توابع العصمة لمن كان بعيدا عن المبدا الاعلى وكيف يتيسر ذلك لمن كان في عداد كثير من النّاس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم أذان لا يسمعون بها أولئك كالانعام بل هم اضلّ سبيلا ومع ذلك لا بدّ في الفقه بل في جميع العلوم من حسن القريحة وجودة الادراك واستقامة السّليقة فانظرا بها اللّبيب انّ الفرد العالي من الاجتهاد كيف يكون نادرا وربما لا يوجد في عصر مع وفور أهل صورته ممّن اتعب وتحمّل شقّ النّفس ومن أسوإ الاعمال بل أسوأ الحال دعوى الاجتهاد من غير الأهل وهذا شايع في عموم الاعصار وبالجملة ومن هنا انّه لم يقدم في مدّة عمره الشّريف على الإجازة بأحد من حضّار مجلس درسة الشريف حتّى انه ظهر لهم هذه الحالة فصاروا مأيوسين من نيل تلك الدّرجة وربما اصر بعض الطلّاب من حضّار المجلس في زمان مديد في الإجازة منه وكان فطنا فكورا جديدا جيد الذهن فكتب له كراسا من الفهم الحمد والثناء للّه تعالى والصّلاة على اشرف الأنبياء والأوصياء صلوات اللّه وسلامه عليهم
رسائل المحقق الكلباسى — صفحة 989 | محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي