من الوجه الزّكوى فهذا سر إلهامي لشهود امر غيبىّ فلمّا الهمت ذلك أعطيت في السّاعة مبلغا مؤمنا في عوض هنا اتّفق في وجه الخبز فرأيت في آخر اللّيل في المنام انّى جالس في مسجد في طرف الماء الصّافى واستفرغ الفضلة وتخرج النّجاسة عن انفى وفمي فانتبهت فحمدت اللّه سبحانه لانكشاف هذا السّر المخفى قلت انّ انكشاف بواطن الأمور بحسب حسن باطنها أو قبحها في الرّؤيا أحد طرق التي تحقّق انكشاف الأمور بها لأهلها فانّها تارة تنكشف من جهة الرّؤية وهي تارة في الرّؤيا وأخرى في اليقظة وهي أعلى من الرّؤيا ويحتاج إلى قوة صفاء في المشاهد وأخرى تنكشف من جهة الذّوق فترى ان من راقب نفسه وجاهدها والجمها في طاعة ربّها وعصيان هواها ربما يأكل أغذية اللطيفة الحسنة فيشمئز من طعمها ولا يذوق منها الا طعم الخبائث الرّدية وثالثة تنكشف من جهة الشتم فترى انّه يشمئزّ من كثير الأمور بواسطة استشمامه الرّوائح المنبتة منها وقد ورد في بعض الأخبار انّه ربما يتكلّم الانسان بكلمة عصيان فيظهر فيها الرّائحة المنبتة كما انّه ربما يتكلّم بكلمة عبادة فيظهر منها الرّائحة المعطّرة فإذا ظهرت الرّوائح من الكلمات العرضيّة فما ظنّك بغيرها من الأمور الجوهريّة وإلى بعض الاقسام المذكورة أشار شيخنا البهائي ره في شرح الأربعين بقوله من العجب منك انّك تنكر على عبّاد الأصنام وعبادتهم الأصنام لها ولو كشف الغطاء عنك وكوشفت بحقيقة حالك ومثل لك ما يمثل المكاشفين امّا في النّوم أو اليقظة لرأيت نفسك قائما بين يدي خنزير مشمّرا ذيلك في خدمته ساجدا له مرّة وراكعا أخرى منتظرا لاشارته وامره فمهما طلب الخنزير شيئا من شهواته توجّهت على الفور إلى تحصيل مطلوبه واحضار مشتهياته ولا بصرت نفسك جاثيا بين يدي كلب عقور عابدا له مطيعا لما يلتمسه مدقّقا للفكر في الحيل الموصلة إلى طاعته وأنت بذلك ساع فيما يرضى الشّيطان ويسره فانّه هو الّذي يهيج الخنزير والكلب ويبعثهما على استخدامك فليراقب كلّ عبد حركاته وسكناته وسكوته ونطقه وقيامه وقعوده لئلا يكون ساعيا طول عمره في عبادة هؤلاء وهذا غاية الظّلم حيث صيّر المالك مملوكا والسيّد عبدا والرّئيس مرءوسا وكان كثير الاحترام للسّادات حتّى انّه ربما يقدم بعض تلاميذه الحاضرين في مجلس درسه الشّريف على نفسه عند الدّخول والخروج وكان يأمر باحترامهم ويحذر عن توهينهم كما سمعت منه انه حذر يوما بعض من أوهن سيدة كانت تشتعل بالخدمات لا تفعلوا كذلك لو كان مولانا الصّادق عليه السّلام حيّا وكنتم حاضرين عنده هل تجترون بأمثال هذه الأفعال فاستحيوا من اللّه تعالى ومنهم من ايذاء أولادهم وتوهينهم وتحقيرهم فانّه لا فرق بين حياتهم ومماتهم ولقد اصر في هذا الامر الفاضل الخاجوئى ره في رسالته المعمولة في فضل الذّرية العلويّة حتّى انّه بعد ما نقل عن جامع الأخبار من انّه ص قال حقّت شفاعتي لمن أعان ذريّته بيده ولسانه وماله وانّه قال إذ أقمت المقام المحمود تشفّعت في أصحاب الكبائر من امّتى فيشفعني اللّه تعالى فيهم واللّه ما تشفّعت فيمن آذى ذريّتى قال الفاضل المشار اليه ان كفّ الأذى عنهم نوع اكرام لهم إذ عدم اكرامهم نوع اذيّة لهم فيجب اكرامهم محترزا عن تاذيهم المغضى إلى الحرمان من شفاعته ص إلى أن قال والامر في معاشرتهم ومخالطتهم مشكل وخاصة إذا كانت السيدة زوجة غير السيّد لان معاشرتها مدّة العمر على وجه لا يلزم منه ايذائها كأنها من الممتنعات عادة قال وانّى واللّه لو استقبلت من امرى ما استدبرت لما زوّجت سيّدة قطّ ولكن وقع ما وقع واللّه غفور رحيم وقال بعد ذكر حديث مكافات نبيّنا صلى اللّه عليه وآله ان آذى أحدا من أهل بيته أو برّهم أو كساهم من عرى أو اشيع جاءهم ولعلّ هذا وما شاكله كان الباعث لما نقل عن العالم الربّانى محمّد صالح المازندراني من انّه كان ذات يوم مشتغلا بالتّأليف وكان في داره طائفة من صبيان بعض السّادات يلعبون بمحضره فكان كلما اقربوا اليه ومرّوا عليه في الثناء لقبهم قام لهم تواضعا وتكريما انتهى ولكن التّواضع والتّكريم في المقام من أبرد الكلام وكان كثير التّعقيب والزّيارة كما انّه كان من عادته في هذه الأواخر الاذان عند اوّل المغرب الشّرعى ثمّ الاذان والإقامة للصّلاة وربما اتّفق تردّدى في محلّ صلاته بين الاذان
والإقامة فرأسه ساجدا للّه تعالى نظرا إلى استحباب الفاصلة بينهما والظاهر على هذا المنوال كانت
رسائل المحقق الكلباسى — صفحة 988
مساهمون: محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي
ص٩٨٨