الكلام كما مر وبعد هذا أقول ان المدار في الأولوية على معرفة تشخيص علة الحكم في الأصل ووجودها في الفرع وكون اقتضاءها في الفرع للحكم أزيد وعلة حجية مطلق الظنّ في الاحكام انما هي انسداد باب العلم وبقاء التكليف وبطلان سائر الاحتمالات المتفرقة على غير العمل بالظن ولا خفاء في عدم اطراد العلّة المذكورة في باب الموضوع لجواز العمل بالاستصحاب أو اصالة الحلية أو أصالة الطهارة أو اصالة صحة فعل المسلم أو قاعدة الاشتغال إلّا ان يقال إنه لا يلزم في الأولوية تشخيص علة الحكم في الأصل لامكان انفهام اولويّة الفرع بالحكم من الأصل عرفا مع عدم استنباط العلة ولو قيل إنه لا محذور في العمل بالأصل في الموضوع في موضع واحد والمحذور انما هو في العمل بالأصل في عموم الموضوعات كما أن محذور الخروج عن الدّين انما يلزم في العمل بالأصل في مجموع التكاليف لا البعض قلت إنه لا محذور في العمل بالأصل في مجموع الموضوعات من خلاف الاجماع أو الخروج عن الدين ولا محذور غيرهما ثانيهما انه لولا جواز العمل بالظن في الموضوعات فلا يخلو اما ان يعمل فيها بالاحتياط أو يتوقف أو يعمل في كل مورد بمقتضى الأصل الذي يناسبه ففي صورة الظنّ بالنجاسة يعمل بأصل الطهارة وهكذا اما الأولان فباطلان اجماعا مضافا إلى أن الأول يؤدى إلى العسر والحرج بل متعذر في كثير من الموارد والثاني غير ممكن كما لا يخفى واما الثالث فيرد عليه ان تلك الأصول كلّها ظنية وليس العمل بها أولى من العمل بالظن الموضوعي النفس الامرى مثلا فيما كان مظنون النجاسة يكون الأصل فيه الطهارة ولكنه لا يفيد أزيد من الظنّ الحكمي لكن هاهنا تعلق الظنّ النفس الامرى بخلافه فقد اجتمع ظنان ظن بالطهارة الظاهرية وظن بالنجاسة النفس الامرية وليس العمل بالأول أولى ولو قيل إن المفروض ثبوت حجية الظن في الاحكام وقد خرج عن تحت الأصل والعمومات الناهية من العمل بالظن بخلاف الظنّ الموضوعي فإنه لا دليل على خروجه فتعيّن اتباع الظنّ الحكمي في صورة التعارض قلت إن القدر الثّابت جريان تلك الأصول الجارية في الموضوعات انما هو فيما لم يكن المظنون خلافها واما فيما ظن بخلافها فجريانها في حيز المنع مثلا نقول إن الاستصحاب وأصل البراءة وأصل الطهارة ونحوها انما تجرى في الموضوعات المشتبهة إذا لم يظن كونها من الصّنف الحرام أو النجس ولو قيل إن تلك الأصول مرجعها إلى الاخبار والروايات نحو لا تنقض اليقين بالشك وكل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه وكل ماء طاهر ولا يخفى انّها مطلقة بالنّسبة إلى الظنّ وعدمه فان مفادها جريان تلك الأصول فيما لم يعلم خلافها سواء كانت هناك ظن أو لا وتعميم العلم للظن الثابت الحجيّة غير قادح لان حجية الظنّ الموضوعي غير ثابتة والأصل والعمومات تنفيها كما لا يخفى قلت إن تلك الأخبار مسلّمة لكن حجيّتها في صورة الظن بالخلاف ممنوعة ومجرد اطلاقها غير مفيد لان الشأن في أصل حجّيتها أقول ان محصول الوجه المذكور انه يتأتى التعارض في صورة الظنّ بالموضوع بين الظنّ المستفاد من اطلاق مدارك الأصول الجارية في موارد الظنّ الموضوعي والظنّ الموضوعي فيقع والتعارض بين الظنّ بالحكم والظنّ بالموضوع ولا ترجيح للثاني على الأول ويضعف بان غاية ما يقتضيه الوجه المذكور انما هي عدم العمل بالأصل ولا يقتضى العمل بالظن الموضوعي فلا مجال للاستدلال به على اعتبار الظنّ بالموضوع ومع هذا أقول انه ان كان الأصل من باب الاستصحاب أو أصالة الطهارة أو اصالة الحلية فلا مجال لتقديم الظنّ الموضوعي امّا الاستصحاب فلانه لا يجوز نقض اليقين بالشك ولا يجوز نقض اليقين إلّا بيقين مثله كما في اخبار اليقين والظنّ لغة من الشك لأن الشك لغة خلاف اليقين كما أن الظن ان ثبت اعتباره فهو في حكم اليقين ويجوز نقض اليقين به وبه ينقطع الاستصحاب واما ان لم يثبت اعتباره كما في المقام فلا يكون في حكم اليقين ولا يجوز نقض اليقين به فالظن الموضوعي لا مجال لتقديمه على الاستصحاب واما قاعده الطهارة فلان مدركها المعروف هو الحديث المعروف كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر والظنّ ان ثبت اعتباره فهو في حكم العلم والا فهو في حكم الشكّ فلا يجوز تقديم الظنّ الموضوعي على أصالة الطهارة لفرض عدم ثبوت اعتباره فقد بان عدم جواز تقديمه على اصالة
الحلية المدلول عليها بقوله عليه السّلم كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه ثالثها ان بناء العقلاء وطريقتهم في الأمور المعاشية والدنيويّة على اتباع الظنّ عند الاشتباه في الموضوعات في صورة انسداد باب العلم بل الإطاعة الظاهريّة يتحقق بالعمل بالظن في الموضوعات أقول ان مرجع الوجه المذكور إلى التقرير بتقرير غير متعارف بتقريب انّ طباع الناس مستقرة في أمورهم العادية على القناعة بالظنّ
رسالة في حجية الظن — صفحة 260
مساهمون: محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي
ص٢٦٠