وقد اعترض الأعلام على هذا التفصيل : بأنّ مدرك الحجّية بناء العقلاء ، والعقلاء لا يفرّقون بين حالات الظنّ بالوفاق وغيرها ، بل يعلمون بالظهور فيها جميعا ، وهذا يكشف عن الحجّية المطلقة « 1 » .
وهذا الاعتراض من الأعلام قد يبدو غير صحيح بمراجعة حال الناس ، فإنّا نجد أنّ التاجر لا يعمل بظهور كلام تاجر خرّ في تحديد الأسعار ، إذا ظنّ بأنّه لا يريد ما هو ظاهر كلامه ، وأنّ المشتري لا يعتمد على ظهور كلام البائع في تحديد وزن السلعة إذا ظنّ بأنّه يريد غير ما هو ظاهر كلامه ، وهكذا « 2 » .
شرح
بحسب التفصيل الثاني فالحجية تثبت للظاهر ، ولكن بشرط عدم قيام أمارة ظنية غير معتبرة شرعا أقوى في كشفها عن المراد من الظاهر ، فالظاهر - عندئذ - حجة ، سواء حصل ظن فعلي بالمراد ، أم لم يحصل .
والدليل على هذا التفصيل هو قيام البناء العقلائي على الاعتماد على الظاهر في تحديد المراد الجدي للمتكلم إذا لم تقم أمارة ظنية غير معتبرة شرعا على خلاف الظاهر أقوى في كشفها عن المراد من الظاهر . وبتعبير آخر : أن العقلاء يعتمدون على الظاهر إذا لم يكن هناك ظن فعلي بعدم إرادة الظاهر
( 1 ) وقد رد مشهور الأصوليين على هذين التفصيلين : بأن العقلاء يتخذون الظاهر أساسا لتعيين المراد الجدي للمتكلم مطلقا ، سواء حصل الظن الفعلي بالمراد من الظاهر ، أم لم يحصل ، وسواء حصل الظن الفعلي بعدم إرادة المعنى الظاهر من الكلام ، أم لم يحصل . لا أنهم - أي العقلاء - يعتمدون على الظاهر في حالة كونه موجبا لحصول الظن الفعلي بالمراد ، كما في التفصيل الأول ، أو في حالة عدم حصول الظن الفعلي بعدم إرادة المعنى الظاهر ، أي ما لم تقم أمارة ظنية غير معتبرة شرعا أقوى في كاشفيتها عن المراد من الظاهر ، كما في التفصيل الثاني
( 2 ) ويشكل السيد الشهيد ( رحمه الله ) على كلام المشهور : بأن بناء العقلاء قائم على خلاف ما يدعيه المشهور ، فالتاجر - مثلا - إذا سأل تاجرا آخر عن قيمة سلعة معينة ، وكان ظاهر كلام التاجر الآخر أن سعر السلعة ما ذكره ، فالسائل مع ذلك لا يأخذ بظاهر الجواب لو حصل له ظن فعلي بأنه لا يريد هذا المعنى الظاهر . وهكذا في المشتري الذي يسأل البائع عن وزن سلعة ما ، وكان الظاهر من كلام