وعلى هذا فقول المفتي ليس حجّة على المفتي الآخر بلحاظ أدلّة حجّية خبر الثقة ؛ لأنّ إخباره بالحكم الشرعيّ ليس حسّيا ، بل حدسيا واجتهاديا . نعم ، هو حجّة على مقلّديه بدليل حجّية قول أهل الخبرة والذكر « 1 » .
شرح
( 1 ) الأدلة التي تقدمت تدل على حجية خبر الثقة الحسي ، فمدلول خبر الثقة يجب أن يكون مما يدرك بأحد حواس الإنسان ، أو يكون قريبا من الحس ، وهو ما يدرك بآثاره الحسية المرتبة عليه ، كالإخبار عن عدالة زيد بعد ملاحظة سلوكه وتصرفاته ، أو الإخبار عن شجاعة عمرو بالاعتماد على مواقفه المختلفة ، وما خاضه من حروب ، وإقدامه فيها ، وأما الخبر به الذي يدرك بإعمال الفكر والنظر في القرائن المختلفة فيكون الإخبار عن إخبارا حدسيا ، وليس بحجة .
ومن هنا فإن فتوى المجتهد لا تكون حجة على مجتهد آخر ؛ لأنها إن كانت مستندة إلى الروايات ، فعلى المجتهد أولا : أن يحرز صدور هذه الروايات . وثانيا : أن يحرز جهة صدورها من كون المعصوم ( عليه السلام ) في مقام بيان الحكم الواقعي ، أو في مورد التقية . وثالثا : أن يحدد دلالة الروايات . وإن كانت مستندة إلى آيات الكتاب الكريم فمن الواجب البحث في دلالة هذه الآيات ، فاستنباط الحكم الشرعي - في هذا الفرض - مما يحتاج إلى بذل جهد ، وإعمال نظر وفكر من المجتهد
هامش
وأما إعراض المشهور فإنه يكون سببا لسقوط حجية الخبر ؛ لأنه أمارة ظنية نوعية على عدم الصدور تكون سببا في عدم حصول ظن فعلي لدى الشخص بالصدور ، والذي يمثل الملاك في حجية الخبر .
وعلى الاحتمال الخامس يكون عمل المشهور بالخبر الضعيف جابرا لضعفه ، لأنه إحدى الأمارات والقرائن التي توجب تحقق ملاك حجية الخبر ، وهو الظن النوعي بالصدور ، سواء كان ذلك ناشئا من وثاقة الراوي ، أو من خارج السند ، كما في عمل المشهور الموجب للظن النوعي بالصدور ، أو من غيرها من القرائن الخارجية . وأما إعراض المشهور عن العمل بخبر الثقة فلا يوجب سقوط الخبر عن الحجية ، لأن خبر الثقة يقتضي بطبعه حصول الظن النوعي بالصدور ، وإن لم يحصل الظن بالفعل لدى الشخص ، فيكون الملاك لحجية الخبر متحققا ، وهذا لا ينافي مع كون الإعراض أمارة نوعية على عدم الصدور ، لأن الحجية ثابتة لخبر الثقة من باب الظن النوعي ، وهذا الظن لا يتنافى مع الظن النوعي بعدم الصدور في إعراض المشهور .