فالصحيح في الجواب أن يقال : إنّه إن ادّعي كون العمومات رادعة عن سيرة المتشرعة المعاصرين للمعصومين من صحابة ومحدّثين فهذا خلاف الواقع ، لأنّنا أثبتنا في التقريب الأول أنّ هذه السيرة كانت قائمة على الرغم من تلك العمومات ، وهذا يعني إنّها لم تكن كافية للردع وإقامة الحجّة .
وإن ادّعي كونها رادعة عن السيرة العقلائية بالتقريب الثاني فقد يكون له وجه ؛ ولكنّ الصحيح مع هذا عدم صلاحيتها لذلك أيضا ؛ لأنّ مثل هذا الأمر المهمّ لا يكتفى في الردع عنه عادة بإطلاق دليل من هذا القبيل « 1 » .
شرح
الجدي بالظواهر ، ويحكمون باستحقاق العقاب على مخالفتها ، التي من جملتها ظواهر الآيات الناهية عن العمل بالظن ، ولكنهم مع ذلك يعملون بالظن الحاصل من خبر الثقة ، فغاية ما هناك أن العقلاء خالفوا مدلول الآيات الشريفة الظاهرة في النهي عن العمل بالظن ، واعتمدوا - عمليا - على الظن الحاصل في أخبار الثقات
( 1 ) الجواب الرابع : للسيد الشهيد ( رحمه الله ) ، حيث يرى أن الآيات الكريمة الناهية عن العمل بالظن لا يمكن أن تكون رادعة عن سيرة المتشرعة القائمة على العمل بأخبار الثقات ، لأن هذه السيرة معلولة للسنّة ، فهي إنما نشأت على أساس السنّة ، ولذلك فهي تكشف عنها كشف المعلول عن العلة ، فمن قيام هذه السيرة واستمرارها نكتشف عدم رادعية الآيات الناهية عنها ، وإلا لو كانت الآيات الناهية رادعة عن سيرة المتشرعة لكان المفروض ألا تقوم مثل السيرة ، والحال أن هذه السيرة قائمة فعلا .
كما أن تلك الآيات لا يمكن أن تكون رادعة عن السجية العقلائية التي تقتضي العمل بخبر الثقة ، لأن هذه السيرة لو لم تكن مرضية للشارع فإن عليه عندئذ أن يردع عنها بما يتلاءم مع مستوى رسوخ وقوة هذه السيرة ، حيث لا بد أن يتناسب الردع عن السيرة العقلائية مع مدى استحكام هذه السيرة ، وقوة ترسخها في نفوس العقلاء ، في حين أن الآيات الناهية عن العمل بالظن لا تنهى صراحة عن العمل بخبر الثقة ، بل تشمله بإطلاقها ، ولذلك فهي ليست بقوة السيرة حتى يمكن أن تكون رادعة عنها .
والشاهد على ضرورة أن يكون الردع بمستوى قوة السيرة واستحكامها هو