الثاني : الاستدلال بسيرة العقلاء على التعويل على أخبار الثقات ، وذلك أنّ شأن العقلاء - سواء في مجال أغراضهم الشخصية التكوينية ، أو في مجال الأغراض التشريعية وعلاقات الآمرين بالمأمورين - العمل بخبر الثقة والاعتماد عليه ، وهذا الشأن العامّ للعقلاء يوجب قريحة وعادة لو ترك العقلاء على سجيّتهم لأعملوها في علاقاتهم مع الشارع ، ولعوّلوا على أخبار الثقات في تعيين أحكامه .
وفي حالة من هذا القبيل لو أنّ الشارع كان لا يقرّ حجّية خبر الثقة لتعيّن عليه الردع عنها حفاظا على غرضه ، فعدم الردع حينئذ معناه التقرير ومؤدّاه الإمضاء « 1 » .
شرح
( 1 ) التقريب الثاني : الاستدلال بسيرة العقلاء ، فمن المسلم أن الطبع العقلائي يقتضي الاعتماد على خبر الثقة في تحصيل الأغراض التكوينية الشخصية ، وفي تحصيل الأغراض التشريعية للموالي العرفيين ، لو لم يصدر ردع من الشارع ، والذي عبر عنه السيد الشهيد ( رحمه الله ) ب ( الشأن العقلائي ) ، أما كيف يمكن الكشف عن تقرير المعصوم ( عليه السلام ) وإمضائه لمضمون هذا الطبع العقلائي مع أنه ليس في مجال الأحكام الشرعية الإلهية ؟ فهذا الكشف مبني على أن اعتماد العقلاء على أخبار الثقات في أمورهم الشخصية أو التشريعية يمكن أن يتحول بمرور الزمن إلى قريحة وعادة عقلائية راسخة تجري حتى في تحصيل الأغراض التشريعية الإلهية ، ولمّا كان مثل هذا الاحتمال واردا ، فلو كان الشارع غير راض بهذه السيرة ، فإنها تشكل خطرا على أغراضه التشريعية ، ولا بد أن يردع عنها ، ولو صدر منه ردع عنها لوصل إلينا ، لأن هذا الردع يتعلق بعمل يكون بمقتضى طبيعة راسخة في نفوس العقلاء ،
هامش
العقلائية ، من دون الالتفات إلى أنهم متشرعة ، ومثل هذا السلوك لا يصح منهم إلا بموافقة الشارع عليه . وهذا الاحتمال منفي بحساب الاحتمالات ، لأن هذا الفرض إذا كان واردا بالنسبة لشخص أو شخصين من المتشرعة ، فهو غير وارد بالنسبة لجميع المتشرعة المعاصرين للمعصوم ، ومن المحتم أن هؤلاء اكتشفوا إمضاء المعصوم وموافقته على سلوكهم هذا ؛ إما بصورة مباشرة فيما لو سألوا عن حكم سلوكهم ، وأجابهم المعصوم بالجواز ، أو بصورة غير مباشرة من خلال عدم ردع الإمام ، وعلى كل حال فإن هذه السيرة تكشف عن موافقة المعصوم كشف المعلول عن العلة .