والآخر : أن التمايز بين العلوم إن كان بالموضوع فلا بدّ من موضوع لكلّ علم إذن لكي يحصل التمايز ، وإن كان بالغرض على أساس أنّ لكلّ علم غرضا يختلف عن الغرض من العلم الآخر ، فحيث إنّ الغرض من كلّ علم واحد ، والواحد لا يصدر إلّا من واحد ، فلا بدّ من افتراض مؤثّر واحد في ذلك الغرض .
ولمّا كانت مسائل العلم متعدّدة ومتغايرة فيستحيل أن تكون هي المؤثّرة بما هي كثيرة في ذلك الغرض الواحد ، بل يتعيّن أن تكون مؤثّرة بما هي مصاديق لأمر واحد . وهذا يعني فرض قضية كلّيّة تكون بموضوعها جامعة بين الموضوعات ، وبمحمولها جامعة بين المحمولات للمسائل ، وهذه القضية الكلّية هي المؤثرة ، وبذلك يثبت أنّ لكلّ علم موضوعا ، وهو موضوع تلك القضية الكلّية فيه « 1 » .
شرح
فالدليل مبني على أن تمايز العلوم بعضها عن بعض بالموضوعات ، وهذا يتوقف على المدعى ، وهو وجود الموضوع لكل علم ، هذا من جهة ومن جهة أخرى من الممكن أن يكون تمايز العلوم عن بعضها في مقام التدوين بالأغراض مثلا فيبطل هذا الدليل
( 1 ) الدليل الثاني : إنه إذا كانت العلوم تتمايز بالموضوعات ، فلا بد من وجود موضوع خاص لكل علم ، وإن كان التمايز بالغرض ، على أساس أن لكل علم من العلوم غرضا يختص به ، ويختلف عن الغرض المترتب على غيره من العلوم ، وهذا الغرض المميز للعلم يتمثل في أمر واحد ، فالغرض من علم النحو مثلا شيء واحد ، وهو صون اللسان عن الخطأ ، وهذا الغرض يحصل بواسطة مسائل علم النحو المتعددة ك ( الفاعل مرفوع ) ، و ( المفعول به منصوب ) و ( المضاف إليه مجرور ) وهكذا ، ولما كان الغرض المترتب على هذه المسائل واحدا ، والمسائل التي يحصل بها هذا الغرض الواحد متعددة ، فلا بد أن ترجع هذه المسائل المتعددة إلى قضية واحدة كلية ، يكون موضوعها جامعا لموضوعات المسائل ، ومحمولها جامعا لمحمولات المسائل ؛ لأن ( الواحد لا يصدر إلّا من واحد ) ، وهذه القضية الواحدة الكلية ، هي العلة المؤثرة في حصول الغرض ، وهذه القضية في مثالنا المتقدم هي :
( الكلمة لها حكم إعرابي ) ، إذ لو كانت هذه المسائل متفرقة ولم يجمع بينها جامع كلي ، للزم من ذلك صدور الواحد الكلي وهو الغرض من الكثير المتعدد وهي