الثالث : أنّ الجملتين مختلفتان في المدلول التصوّري حتى في حالة اتّحاد لفظهما ودلالتهما على نسبة واحدة ، فإنّ الجملة الخبرية موضوعة لنسبة تامّة منظورا إليها بما هي حقيقة واقعة وشيء مفروغ عنه . والجملة الإنشائية موضوعة لنسبة تامّة منظورا إليها بما هي نسبة يراد تحقيقها ، كما تقدّم في الحلقة الأولى « 1 » .
شرح
الاعتباري ، لا أنها موجدة له ، ومتقدمة عليه .
وإذا كان التمليك بالصيغة يتحقق باعتبار الشرع أو العقلاء ، فهذا الأمر الاعتباري إنما يترتب على جملة ( بعت ) الإنشائية بعد تحقق دلالتها التصورية على معنى معين هو النسبة الإيجادية بين الملكية والمتكلم ، وبعد تحقق دلالتها التصديقية على قصد الثبوت ، وبعد تحقق بقية الشرائط المفترضة في العقد ، فالأثر الشرعي أو العرفي مترتب على استعمال صيغة ( بعت ) في معناها ، وعلى كشف الصيغة عن المدلول التصديقي وعلى تحقق الشروط ، سواء كانت من شروط العوضين ، أو شروط المتعاقدين ، ثم بعد ذلك يترتب اعتبار الملكية من قبل الشارع أو العرف مع أن البحث يرتكز حول الفرق بين الجملتين من ناحية المدلول
( 1 ) وهذا الاتجاه للسيد الشهيد ( رحمه الله ) * وقد اعتمد فيه على بعض
هامش
( * ) ويوجد اتجاه رابع وهو للمحقق الأصفهاني ( رحمه الله ) ، حيث يرى : أن النسبة الصدورية بين الملكية والمتكلم هي المدلول التصوري لكل من ( بعت ) الإنشائية والإخبارية ، والوجود الحقيقي لطبيعة الصيغة يتحقق عند الإتيان بلفظ ( بعت ) ، وينسب هذا الوجود بالعرض إلى المعنى ، فالصيغة تمثل وجودا حقيقيا لطبيعة ( بعت ) ، ووجودا عرضيا للنسبة الصدورية ، فالإيجادية تعني إيجاد المعنى المتمثل بالنسبة الصدورية بين الملكية والمتكلم بالصيغة إيجادا عرضيا .
والفرق بين بعت الإنشائية والإخبارية : أن ( بعت ) الإنشائية لا يقصد منها أمر آخر غير قصد إيجاد المعنى بالصيغة بصورة عرضية . أما ( بعت ) الإخبارية فيتحقق فيها قصدان :
قصد إيجاد المعنى بالصيغة بالعرض ، وقصد الحكاية عن وقوع النسبة الصدورية بين الملكية والمتكلم في عالم الاعتبار ، ولذلك تكون نسبة الجملة الإنشائية بالقياس إلى الجملة الخبرية هي نسبة الأقل إلى الأكثر .
وهذا الرأي للمحقق الأصفهاني ( رحمه الله ) مبني على تفسير بعض الفلاسفة للوضع بأنه : تنزيل اللفظ بمنزلة المعنى ، والذي يعبر عنه في الفلسفة بمصطلح ( الهوهوية ) ،