البحث في تحديد المعاني الحرفية ، إذ لوحظ منذ البدء أنّ الحرف يختلف عن الاسم المناظر له ، كما مرّ بنا سابقا ، ففي تخريج ذلك وتحديد المعنى الحرفيّ وجد اتجاهان :
الاتّجاه الأوّل : ما ذهب إليه صاحب الكفاية ( رحمه الله ) من : أنّ معنى الحرف هو نفس معنى الاسم الموازي له ذاتا ، وإنّما يختلف عنه اختلافا طارئا وعرضيا ، ف ( من ) و ( الابتداء ) يدلّان على مفهوم واحد ، وهذا المفهوم إذا لوحظ وجوده في الخارج فهو دائما مرتبط بالمبتدئ والمبتدأ منه ، إذ لا يمكن وقوع ابتداء في الخارج إلّا وهو قائم ومرتبط بهذين الطرفين . وإذا لوحظ وجوده في الذهن فله نحو ان من الوجود : فتارة يلحظ بما هو ، ويسمّى باللحاظ الاستقلالي ، وأخرى يلحظ بما هو حالة قائمة بالطرفين مطابقا لواقعه الخارجي ، ويسمّى باللحاظ الآلي ، وكلمة ( ابتداء ) تدلّ عليه ملحوظا بالنحو الأوّل ، و ( من ) تدلّ عليه ملحوظا باللحاظ الثاني « 1 » .
شرح
وهناك اتجاهان رئيسيان في تحديد حقيقة المعنى الحرفي :
الاتجاه الأول : للشيخ الآخوند ( رحمه الله ) ، حيث يرى أن الوضع في الحروف عام والموضوع له عام والمستعمل فيه عام .
الثاني : للمحقق الشريف وتابعه عليه الأصوليون المتأخرون ، الذي يذهب إلى أن الوضع في الحروف عام والموضوع له خاص ، والمستعمل فيه خاص
( 1 ) للآخوند ( رحمه الله ) دعويان : الأولى : أن معنى الحرف والاسم الموازي للحرف متحدان بالذات ، والاختلاف باللحاظ ، والثانية : أن اللحاظ الآلي ليس جزءا لمعنى الحرف . وفي الدعوى الأولى يدعي الشيخ الآخوند ( رحمه الله ) : أنه لا يوجد فارق ذاتي بين معنى الحرف والاسم الموازي له ، فمعنى كلمة ( من ) هو نفس معنى البداية ، الذي هو نفس معنى كلمة ( الابتداء ) ، كما أن معنى كلمة ( في ) هو الظرفية ، التي هي نفس معنى كلمة ( الظرف ) . والفارق بين الحرف والاسم الموازي له يكون بلحاظ أمر عرضي ، يتمثل في أن الذهن يلحظ الاسم بنحو استقلالي ، ويلحظ الحرف بنحو آلي ، وآلية اللحاظ أو استقلاليته لا يمكن أن تكون قيدا في المعنى الموضوع له والمستعمل فيه ، وتوضيح هذه النقطة مبني على مقدمتين :