وأمّا البحوث التحليلية فيفترض فيها مسبقا أنّ معنى الكلام معلوم ودلالة الكلام عليه واضحة ، غير أنّ هذا المعنى مستفاد من مجموع أجزاء الكلام على طريقة تعدّد الدالّ والمدلول ، فكلّ جزء من المعنى يقابله جزء في الكلام ، ومن هنا قد يكون ما يقابل بعض أجزاء الكلام من أجزاء المعنى واضحا ولكن ما يقابل بعضها الآخر غير واضح ، فيبحث بحثا تحليليا عن تعيين المقابل .
ومثال ذلك : البحث عن مدلول الحرف والمعاني الحرفية ، فإنّنا حين نقول : ( زيد في الدار ) نفهم معنى الكلام بوضوح ، ونستطيع بسهولة أن ندرك ما يقابل كلمة ( زيد ) وما يقابل كلمة ( دار ) ، وأمّا ما يقابل كلمة ( في ) فلا يخلو من غموض ، ومن أجل ذلك يقع البحث في معنى الحرف ، وهو ليس بحثا لغويا ، إذ لا يوجد في من
شرح
ومثال النقطة الأولى : أن ظهور الأمر في الوجوب من المسلمات بين الأصوليين المتأخرين ، ولذلك فهو ليس موضوعا للبحوث اللغوية الاكتشافية لتحديد دلالته في الوجوب ، بل يبحث في النكتة الفنية والمنشأ لهذا الظهور ، فهل هو :
- الوضع ، كما يقول الآخوند ( رحمه الله ) .
- حكم العقل ، كما يقول المحقق النائيني ( رحمه الله ) .
- الإطلاق ومقدمات الحكمة ، كما يقول المحقق العراقي ( رحمه الله ) .
وأما السيد الشهيد فقد ذكر للنقطة الأولى مثالا آخر وهو اسم الجنس .
وكذلك فإن ظهور الجملة الشرطية في المفهوم مسلّم ، ولكن قد تكتنف هذا الظهور شبهة ، ذلك أن مناط المفهوم هو دلالة الجملة الشرطية على أن الشرط هو علة منحصرة للجزاء ، فإذا انتفت العلة ( الشرط ) ينتفي الجزاء ، ولكن قد تستخدم الجملة الشرطية في شرط يكون علة غير منحصرة للجزاء ، بحيث يكون لهذا الشرط بديل يمكن أن يتحقق الجزاء بتحققه ، مثل : إن كانت النار موجودة فالحرارة متحققة ، فوجود النار - هنا - ليس علة منحصرة للحرارة ، لأنها قد تنشأ من الشمس ، فاستعمال أداة الشرط في العلة غير المنحصرة للجزاء ليس مجازا بل هو استعمال حقيقي ، فهو ليس من قبيل استعمال لفظ الأسد في الرجل الشجاع ، فكيف نوفق بين كون المناط لدلالة الجملة الشرطية على المفهوم هو أن الشرط علة منحصرة للجزاء ، وبين عدم مجازية استعمال الشرط الذي له بديل في الجملة الشرطية