وقد يقام الدليل على عدم حجّية ما يشكّ في حجّيته من الأمارات بما اشتمل من الكتاب الكريم على النهي عن العمل بالظنّ وغير العلم ، فإنّ كلّ ظنّ يشكّ في حجّيته يشمله إطلاق هذا النهي « 1 » .
وقد اعترض المحقّق النائينيّ - قدّس الله روحه - على ذلك : بأنّ حجّية الأمارة معناها جعلها علما ؛ لأنّه بنى على مسلك جعل الطريقية ، فمع الشكّ في الحجّية يشكّ في كونها علما ، فلا يمكن التمسّك بدليل النهي عن العمل بغير العلم حينئذ ؛ لأنّ موضوعه غير محرز « 2 » .
شرح
فلا يكون معارضا لهذه الحجية ، فلا يوجد تناف بين الاهتمام بالوجوب الواقعي من ناحية ، وبين عدم الاهتمام به بسبب انضمام الشك في دليل الحجية إليه . فببركة إطلاق دليل الاستصحاب يحصل لنا القطع بعدم حجية خبر الواحد القائم على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال المشكوك الحجية ، لأنه ينفيها بالدلالة الالتزامية للدليل ، هذا على مبنى السيد الشهيد ( رحمه الله ) . وهكذا في إطلاق دليل البراءة
( 1 ) هذا هو الدليل الثالث على القاعدة المتقدمة ، فقد استدل الشيخ الأنصاري ( رحمه الله ) على عدم حجية الدليل مشكوك الحجية بالآيات الناهية عن العمل بالظن أو اتباع غير العلم ، كقوله تعالى :إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً *( النجم : 28 ) ، ذلك أن الدليل الذي يشك في حجيته لا يفيد إلّا الظن ، فيكون مشمولا بإطلاق الدليل الناهي عن العمل بالظن . وهكذا بالنسبة لقوله سبحانه :وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ . . .( الإسراء : 36 ) ، حيث تنهى هذه الآية عن العمل بغير العلم ، وهذا العنوان ينطبق على الدليل مشكوك الحجية ، فلا يكون مثل هذا الدليل حجة
( 2 ) يشكل المحقق النائيني ( رحمه الله ) على الدليل المتقدم اعتمادا على مبناه في أن المجعول في الأمارة يختلف عن المجعول في الأصول ، حيث يرى أن المجعول في الأمارة هو الطريقية والكاشفية ، فالكشف الناقص للأمارة اعتبره الشارع كشفا تاما ، فدليل الحجية يثبت أن الأمارة علم ، ومن ثم يكون دليل الحجية حاكما على الآيات الناهية عن العمل بالظن ، لأن موضوع هذا النهي هو الظن وعدم العلم ، وما دام دليل الحجية للأمارة يثبت أن الظن علم ، فهو يرفع بهذا الجعل موضوع الآيات الناهية عن العمل بالظن ، ولما كانت الأمارة علما تعبدا ، فيكون انتفاء موضوع هذه