بينها بوجوداتها الواقعية ، وهذا يعني أنّ البراءة عن التكليف المشكوك وحجّية الخبر الدالّ على ثبوته حكمان ظاهريان متنافيان ، فالدليل الدالّ على البراءة دالّ بالدلالة الالتزامية على نفي الحجّية المذكورة ، فيؤخذ بذلك ما لم يقم دليل أقوى على الحجّية « 1 » .
شرح
العملية ، لا يوجد فرق بين فرض قيام دليل مشكوك الحجية في هذا المورد وبين فرض عدم قيامه
( 1 ) هذا هو الدليل الثاني على أن الأصل عند الشك في الحجية هو عدم الحجية ، وهو مبني على رأي السيد الشهيد ( رحمه الله ) في أن الغرض من جعل الحكم الظاهري هو الحفاظ على الملاكات الواقعية الأهم ، وأن جعل حكمين ظاهريين يستلزم التضاد ، فبغض النظر عن وصول الحكم الظاهري إلى المكلف فإن من غير الممكن جعل حكمين ظاهريين في مورد واحد وفي عرض واحد ، لا أن يكون أحدهما في طول الآخر ، فمثلا عند قيام خبر الواحد على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال ، فإن جعل الحكم الظاهري بالنسبة لخبر الواحد - في هذه الحالة - يعني جعل الحجية لهذا الخبر ، وبسبب الشك في الحكم الواقعي يحقق هذا المورد الموضوع لجعل البراءة الشرعية ، فيكون لدينا حكمين ظاهريين في عرض واحد ، هما : جعل حجية خبر الواحد بالنسبة للجاهل بالحكم الواقعي ، والبراءة عن الحكم بالنسبة للجاهل بالحكم الواقعي . وجعل هذين الحكمين الظاهريين لهذا المورد مستحيل ، لأن ملاك جعل الحكم الظاهري هو الحفاظ على أهم الملاكات الواقعية المشتبهة بغيرها ، فالغرض من جعل الحجية للخبر هو المحافظة على الملاك الأهم ، وأهمية الملاك في الأمارات - ومنها خبر الواحد - ناشئة من أن مطابقة الخبر للواقع أكثر من مخالفته ، ولذلك فيكون كل حكم واقعي هو مؤدى لهذا الخبر موضعا لاهتمام المولى ، وللمحافظة على ملاك الوجوب الواقعي ، يجعل المولى الحجية لخبر الواحد ، وهذا يستلزم عدم الاهتمام بملاك الإباحة ، وأما جعل البراءة الشرعية - أي :
نفي الحكم بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال - فهو ناشئ من اهتمام المولى بملاك الإباحة ، وهذا يستلزم عدم الاهتمام بملاك الوجوب ، فجعل الحجية للخبر وجعل البراءة من ناحيته معناه الاهتمام بملاك الوجوب وعدم الاهتمام به ، وهذا مستحيل .