تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨

الافتراض الرابع :

أن يجعل الشارع أحد الدليلين حجّة فقط ، لكن هذه الحجية تخييرية لا تعيينية ، حيث يقول : أحد الدليلين حجّة ، بمعنى ان المكلف مخير بالالتزام بأحدهما ، وما يلتزم به المكلف هو الحجة ، فإذا التزم بالدليل الدال على الحلية يكون هو الحجة ، وإذا التزم بالدليل الدال على الحرمة يكون هو الحجّة ، والحجية هنا حجيّة تخييرية . وهذا الافتراض أيضا معقول ، لكن الأخذ به يحتاج إلى دليل ، ويظهر اثره في أنه لا يسمح للمكلف بترك الدليلين المتعارضين ، والرجوع إلى أصل عملي ؛ لأنه ما دام هناك دليل محرز لا يصح الرجوع إلى الأصل العملي ، كما لا يسمح للمكلف بالرجوع إلى دليل عام ( كالاطلاق ) قد يثبت به حكم ثالث غير ما دل عليه الدليلان المتعارضان ، والحكم الثالث كما لو جاء دليل يقول : ( أكرم كل مسكين ) ، ثم جاء دليلان متعارضان ، الأول يقول : ( لا تكرم المسكين المتجاهر بالفسق ) ، والثاني يقول : ( اكرام المسكين المتجاهر بالفسق مباح ) . فتكون لدينا ثلاثة أدلة ، المتعارضان ، إذ أحدهما يدل على حرمة اكرام المسكين المتجاهر بالفسق ، والآخر يدل على إباحة اكرامه ، بينما الدليل الثالث دليل عام فوقاني ، يدل على وجوب اكرام كل مسكين . فإذا بنينا على الحجية التخييرية بالنسبة لكل واحد من الخبرين المتعارضين ، لا يمكن ان نرجع إلى الدليل العام الذي يثبت حكما ثالثا بوجوب اكرام كل مسكين ، فيشمل المسكين المتجاهر بالفسق ؛ لأنه مخصص بالواحد المخيّر من الخبرين المتعارضين .