كون مؤدى الامارة واجبا من الواجبات وفي عرض الواقعيات ، فيلزم التناقض أو التصويب فتحصل مما ذكرنا ان الحكم التكليفي المتعلق بالعمل بالامارات الذي يكون منشا لانتزاع الحجية ، ليس حكما موضوعيا ناشئا عن مصلحة نفسية في نفس العمل بها ، نظير الاحكام المتعلقة بسائر الموضوعات كالصلاة والصوم ونحوهما ، بل هو حكم طريقي لم يلحظ فيه الا ادراك مصلحة الواقع ، فلو طابق الواقع فهو هو ، والا فليس الا كالعلم المخالف ، في انه لا يؤثر شيئا الا المعذورية وهذا الذي ذكرناه في القسم الأول يجرى بعينه في القسم الثاني ، وذلك لما عرفت من أن مفاد أدلة اعتبار الأصل التنزيلي ، هو الغاء الشك وتنزيل المشكوك منزلة الواقع المعلوم في الجرى العملي ، بمعنى جعله هو الواقع عملا في رتبة الشك ، فالمجعول في هذه الرتبة هو كونه واقعا ، فيرجع جعله إلى الهوهوية الجعلية ، فيكون لا محالة في طول الواقع لا في عرصه ، بداهة ان جعل المشكوك هو الواقع في مقام العمل ، انما يصح فيما إذا كان المجعول للمكلف هو الحكم الواقعي ، وكان وجوب البناء على المشكوك لأجل مراعاة الواقع .
واما القسم الثالث ، فلا يجرى فيه ما ذكرناه في القسمين الأولين ، وذلك لما عرفت من أن الأصل الغير التنزيلي ، حكم على أحد طرفي الشك من دون الغاء للشك ، ولا نظر إلى الواقع ولو من جهة الجرى العملي فيشكل حينئذ الامر فيه ، بداهة ان الموضوع للحكم الواقعي ، وان كان مهملا بالنسبة ان الاعتبارات الطارية عليه بلحاظ حكمه ، اى لا يمكن ان يعتبر مطلقا ولا مقيدا بالنسبة إلى القيود المترتبة على الحكم بالاطلاق والتقييد اللحاظيين كما مر بيانه ، الا انه في نفس الامر لا محالة اما مطلق بالنسبة إليها أو مقيد بالاطلاق أو التقييد النتيجتي ، بداهة ان تلك القيود لا يخلو ، اما ان يكون لها في نفس الامر مدخلية في متعلق التكليف أو موضوعه ، أو لا يكون لها مدخلية كك ، فعلى الأول يكون تعلق الحكم الواقى به لامحة مقيد أو مشروط بتحققها ، وعلى الثاني يكون تعلق الحكم الواقعي به لامحة مطلقا وغير مشروط
حاشية على درر الفوائد — صفحة 456
مساهمون: محمود الآشتياني
ص٤٥٦