ما يكون وضعه بيد الشارع ، وقد اتّضح أنّ ما يكون وضعه بيده هو جعل الحكم الكلّي وتبليغه لا غير ، فالمتعيّن حينئذ هو الرجوع إلى قاعدة الاشتغال ؛ لأنّ شغل الذمّة اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة .
قلت : صحيح أنّ وظيفة الشارع إنّما هو بيان الكبريات لا المصاديق الخارجيّة ، إلّا أنّ العقاب لا يصحّ إلّا مع تماميّة الحجّة على العبد ، ومن الواضح أنّ الحجّة إنّما تتمّ بتمام الصغرى والكبرى عند العبد ؛ إذ الكبرى بما هي لا تنفع شيئا في مورد من الموارد لولا انضمام الصغرى إليها .
والحاصل : أنّ عدم تماميّة الحجّة قد يكون من جهة عدم تماميّة الكبرى ، وقد يكون من جهة عدم تماميّة الصغرى ، ومع عدم تماميّة الحجّة تجري البراءة لقبح العقاب بلا بيان ، أي بلا حجّة .
وأمّا القسم الثاني : فالحقّ فيه هو التفصيل ، بمعنى أنّه إن كان التكليف وجوبيا وشككنا في مصداقيّة فرد للعام المجموعي فالمرجع هو الاشتغال ، فيجب الإتيان بالفرد المشكوك ، فمثلا إذا قال المولى : « أكرم مجموع العلماء » وشككنا في عالميّة « زيد » يجب إكرامه ؛ لأنّ ترك إكرامه والاكتفاء على إكرام من علم كونه عالما يوجب الشكّ في تحقّق عنوان المأمور به وهو « إكرام مجموع العلماء من حيث المجموع » وعند الشكّ في المحصّل وانطباق المأمور به على المأتي به تجري قاعدة الاشتغال لا محالة ، ومعلوم أنّ دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطي في الشبهة الموضوعية مجرى الاحتياط ، فإنّ اشتغال الذمّة اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة .
وأمّا إن كان التكليف تحريميّا فلا إشكال في جريان البراءة ، وذلك لجواز ارتكاب بعض الأفراد المعلومة فضلا عن الفرد المشكوك فيه ، ضرورة أنّ المنهي عنه في هذا القسم هو ارتكاب المجموع من حيث المجموع ، ومن الواضح أنّه مع ترك بعض الأفراد وارتكاب البعض الآخر يصدق أنّه لم يرتكب المجموع من حيث المجموع ،
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 548
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٥٤٨