كلّ واحد صغراه ، فيقال في الأولى : إنّ الضرر في ارتكاب مشكوك الحرمة محتمل ، ودفع الضرر المحتمل واجب ، فينتج وجوب الاحتراز عن مشكوك الحرمة . ويقال في الثانية : إنّ العقاب على مشكوك الحرمة بعد الفحص وعدم العثور على الحكم عقاب بلا بيان ، والعقاب بلا بيان قبيح ، فينتج أنّ العقاب على مشكوك الحرمة قبيح .
فالتعارض بين القياسين ، فإنّهما غير قابل للجمع ، ولا محالة يكون الإشكال في أحدهما ، ولا بدّ من ملاحظة ما هو متأخّر عن الآخر .
إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ الصغرى في القياس الثاني وجدانيّة فعليّة وغير معلّقة على شيء ، فإنّ الذي يمارس عملية الاستنباط بعد الفحص الكامل في مظانّ التكليف يحرز وجدانا عدم وصول البيان من المولى في مورد الشبهة ، ومع انضمام هذه الصغرى إلى الكبرى يستنتج أنّ العقاب في مورد مشكوك الحرمة قبيح ، ومن الواضح أنّ القياس المركّب من صغرى وجدانية وكبرى برهانية ينتج نتيجة قطعيّة .
هذا ، وأمّا بالنسبة إلى القياس الأوّل فصغراه غير فعليّة ، بل معلّقة على أمور ؛ إذ احتمال العقاب في مورد ما لا بدّ له من منشأ معقول ، والمنشأ له يمكن أن يكون أحد الأمور التالية :
1 - أن تكون الشبهة مقرونة بالعلم الإجمالي .
2 - أن يكون ارتكاب الشبهة البدوية قبل الفحص ، أو بعد الفحص الناقص .
3 - أن لا يكون العقاب بلا بيان قبيحا عقلا .
4 - أن لا يرد ترخيص في ارتكاب الشبهة .
5 - أن لا يكون العقاب بلا بيان قبيحا على المولى .
ولا يخفى انتفاء كلّ هذه الأمور فيما نحن فيه ، ومعه لا يبقى مجال لاحتمال العقاب حتّى ينضمّ إلى كبرى وجوب دفع الضرر المحتمل ، وأمّا الكبرى بوحدتها فلا تنفع شيئا كما عرفت .
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 538
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٥٣٨