ومن الواضح أنّ القياس المنظم من المقدّمات الفعليّة مقدّم على القياس المعلّق على أمور لم يتحقّق واحد منها ، وبما ذكرنا يظهر وجه النظر فيما قبل أنّ كبرى قبح العقاب بلا بيان واردة على كبرى وجوب دفع الضرر المحتمل .
الوجه الثالث : أنّ كلّ مسلم يعلم إجمالا في أوّل بلوغه بوجود تكاليف إلزاميّة كثيرة في الشريعة ، ومثل هذا العلم الإجمالي ينجّز التكاليف الواقعيّة على المكلّف ، فيجب عليه الخروج من عهدتها بالاحتياط في جميع الشبهات حتّى يحصل له العلم بالفراغ عمّا اشتغلت ذمّته به يقينا ؛ لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني بحكم العقل . ومن المعلوم أنّ منجّزية العلم الإجمالي يكون مانعا عن الرجوع إلى البراءة .
والجواب عنه أوّلا : بالنقض بالشبهات الموضوعيّة والشبهات الحكميّة الوجوبيّة ، فإنّ العلم الإجمالي هذا لو كان مانعا عن الرجوع إلى البراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة لكان مانعا عن الرجوع إليها في الشبهات الموضوعيّة والحكميّة الوجوبيّة بنفس البيان ، مع أنّ الاخباري لا يقول بوجوب الاحتياط فيهما .
وثانيا : بالحلّ ، وهو أنّ العلم الإجمالي بتكاليف واقعيّة ينحل بواسطة قيام الأمارات على التكاليف الإلزاميّة في أطراف المعلوم بالإجمال .
توضيح ذلك : أنّ هناك صورا ثلاث للانحلال :
الأولى : انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي ، كما إذا علمنا إجمالا بخمرية أحد الإناءين ثمّ علمنا تفصيلا بأنّ الخمر المعلوم بالإجمال هو في الإناء الواقع في طرف اليمين ، ولا شكّ في انحلال العلم الإجمالي في هذه الصورة حقيقة لانعدامه وقيام العلم التفصيلي مقامه .
الصورة الثانية : انحلال العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير ، مع العلم بأنّ المعلوم بالإجمال في العلم الإجمالي الصغير هو عين المعلوم بالإجمال في العلم الإجمالي الكبير ، كما إذا علمنا إجمالا بوجود خمس شياة مغصوبة في قطيع من الغنم
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 539
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٥٣٩