والاخباريّين على البراءة في الشبهة الحكمية ، وواضح أنّه لم ينعقد الإجماع على هذا الوجه ، بل هو مقطوع العدم ، فإنّ جلّ الاخباريّين ذهبوا إلى وجوب الاحتياط فيها ، ولا يمكن دعوى عدم قدح مخالفتهم في تحقّق الإجماع مع كونهم من العلماء الأجلّاء .
ثمّ هذا الإجماع على فرض انعقاده ليس إجماعا تعبّديا كاشفا عن رأي المعصوم عليه السّلام بل هو إجماع مدركي ، فلا بدّ من الرجوع إلى نفس المدرك .
الدليل الرابع : العقل
والبحث عنه يقع في جهات ثلاث :
الأولى : في تماميّة قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو عدم تماميّتها في نفسها ؟
الجهة الثانية : في ملاحظتها مع قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل .
الجهة الثالثة : هل أنّها تعارض أدلّة الاحتياط أو محكومة لها ؟
أمّا الجهة الأولى : فلا شكّ في استقلال العقل بقبح العقاب والمؤاخذة عند عدم البيان أو عدم وصول التكليف إلى العبد ، فيكون العقاب على مخالفته قبيحا عقلا ؛ إذ فوت غرض المولى حينئذ ليس مستندا إلى تقصير من العبد ، بل مستند إلى عدم تماميّة البيان من قبل المولى .
وعليه فالمكلّف بعد الفحص التامّ وعدم وجدانه دليلا على الحكم يكون معذورا عند العقل في عدم امتثال التكليف المجهول ، وإن كان هناك بيان في الواقع ، وهذا متّفق عليه بين الاصوليّين والاخباريّين .
وظهر بما ذكرنا أنّ موضوع حكم العقل بقبح العقاب هو عدم البيان الواصل إلى المكلّف ؛ إذ من الواضح أنّ الانبعاث نحو عمل أو الانزجار عنه إنّما هو من آثار التكليف الواصل ، لا التكليف بوجوده الواقعي ، فإنّه لا يكون محرّكا وزاجرا للعبد ، ولا يتمّ به الحجّة عليه .