وقد أجيب عن هذا الأمر بجوابين :
الأوّل : ما أفاده المحقّق العراقي قدّس سرّه « 1 » من إنكار أصل وحدة السياق حيث إنّ من الفقرات في الحديث الطيرة والحسد والوسوسة ، ولا يكون المراد منها الفعل ، فمع هذا الاختلاف كيف يمكن دعوى ظهور السياق في إرادة الموضوع المشتبه ؟ ! مضافا إلى أنّ ذلك يقتضي ارتكاب خلاف ظاهر السياق من جهة أخرى ، فإنّ الظاهر من الموصول في « ما لا يعلمون » هو ما كان بنفسه معروض عدم العلم كما في غيره من العناوين الأخرى كالاضطرار والإكراه وغيرهما ، حيث كان الموصول فيها معروضا للأوصاف المزبورة ، فتخصيص الموصول بالشبهات الموضوعيّة ينافي هذا الظهور ؛ إذ لا يكون الفعل فيها بنفسه معروضا للجهل ، وإنّما المعروض له هو عنوانه . وحينئذ يدور الأمر بين حفظ السياق من هذه الجهة بحمل الموصول فيما لا يعلم على الحكم المشتبه ، وبين حفظه من جهة أخرى بحمله على إرادة الفعل ، ولا ريب في أنّ العرف يرجّح الأوّل ، فيتعيّن الحمل في « ما لا يعلمون » على إرادة الحكم .
وهذا الجواب قابل للمناقشة بكلا شقّيه ، أمّا الشقّ الأوّل فيردّ عليه : بأنّ الفقرات الثلاث من الطيرة والحسد والوسوسة أيضا من الأفعال ، إلّا أنّها من الأفعال الجوانحيّة لا الجوارحيّة ، فهذه الفقرات لا تكون قادحة بوحدة السياق .
وأمّا الشقّ الثاني : فأورد عليه سيّدنا الأستاذ الإمام قدّس سرّه « 2 » وتقرير بيانه : أنّ المجهول في الشبهات الموضوعيّة إنّما هو نفس الفعل أيضا لا عنوانه فقط ، فإنّ الشيء إذا كان بنوعه مجهولا يصحّ أن يقال : إنّ هذا الشيء مجهول ، فإذا علمنا بأنّ هذا مائع ، ولكن لا نعلم أنّه من نوع الخل أو من نوع الخمر يصحّ أن نقول : إنّ شرب هذا المائع مجهول لنا فيصحّ إسناد الجهل حقيقة إلى الفعل أيضا .
هامش
( 1 ) نهاية الأفكار 3 : 216 .
( 2 ) تهذيب الأصول 2 : 151 .