الثاني : ما أفاده بعض الأعلام قدّس سرّه « 1 » من أنّ الأصل في كلّ كلام أن يكون في مقام البيان لاستقرار بناء العقلاء على ذلك ما لم تظهر قرينة على خلافه ، والظاهر من الآية المباركة كونها واردة لبيان وظيفة جميع المسلمين المكلّفين ، وأنّه يجب على طائفة منهم التفقّه والإنذار وعلى غيرهم الحذر والقبول ، فكما أنّ إطلاقها يقتضي وجوب الإنذار ولو مع عدم حصول العلم للمنذر - بالفتح - بمطابقة كلام المنذر - بالكسر - للواقع كذلك يقتضي وجوب الحذر أيضا في هذا الفرض .
وفيه : أنّه سلّمنا أنّ الأصل في كلّ كلام أن يكون في مقام البيان ، بمعنى عدم كونه في مقام الإهمال والإجمال ، ولكنّه بمعنى كونه في مقام البيان من جميع الجهات والأبعاد ليس قابلا للالتزام ، ومعلوم أنّ الآية الشريفة تكون في مقام إيجاب نفر الطائفة لا إيجاب التحذّر ، بل الدقّة تقتضي أنّها تكون في مقام نفي النفر العمومي من المؤمنين وبعث طائفة منهم إلى النفر ، فلا دلالة لها على وجوب الحذر فضلا عن وجوبه بنحو المطلق .
ولا يخفى أنّ في باب حجّية الخبر كان المثبتين في صدد إثبات وجوب مطابقة عمل المكلّف على وفق خبر الواحد ، مع أنّ المناسب للإنذار هو التحذّر النفساني كما ذكرناه ، وهذا يؤيّد ما ذكرناه في تفسير الآية من نزولها في مورد النفر إلى الجهاد وإنذار المجاهدين أقوامهم المشركين إذا رجعوا إليهم ليحصل التحذّر النفساني لهم .
والشاهد لعدم دلالة الآية الشريفة على وجوب التحذّر مطلقا أوّلا : أنّه لا بدّ للمنذر - بالفتح - إحراز أنّ الإنذار يكون في محدودة تفقّه المنذر - بالكسر - لا على ما تقتضيه إرادته النفسانيّة ، ومعناه حصول العلم للمنذر - بالفتح - مع أنّ ما يوجب المناقشة في مسألة حجّية خبر الواحد هو احتمال كذب الراوي .
هامش
( 1 ) مصباح الأصول 2 : 184 - 185 .