عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا
« 1 » ، فالآيات الناهية تمنع عن متابعة دليل غير المعتبر .
ومن المعلوم أنّ بعد إثبات حجّية الخبر الواحد بالأدلّة الآتية يتحقّق الدليل المعتبر عند الشارع ، فلا يبقى موضوع للآيات الناهية فيما يدلّ عليه الخبر الواحد المعتبر ، فلذا تكون أدلّة الحجّية واردة عليها .
وإن أبيت عن ذلك وقلت : إنّ المراد من العلم في الآيات الناهية هو القطع واليقين ، فنقول : سلّمنا أنّ الخبر الواحد بالنسبة إلى المخبر به ومفاده ظنّي ، ولكن أدلّة حجّيته قطعيّة لا محالة ؛ إذ لا بدّ من انتهاء حجّية كلّ ظنّ إلى الدليل القطعي ، كما مرّ منّا ، فمع القطع بحجّية الخبر الدال على وجوب صلاة الجمعة - مثلا - لا يبقى هنا موضوع للآيات الناهية عن اتّباع غير العلم ، فلذا نقول : إنّ الخبر الواحد دليل شرعي وارد عليها .
ثمّ إنّ المحقّق النائيني قدّس سرّه « 2 » أجاب عن الآيات الناهية بأنّ أدلّة حجّية خبر الواحد حاكمة عليها ، حيث إنّ تلك الأدلّة تقتضي إلقاء احتمال الخلاف وجعل الخبر محرزا للواقع فيكون حاله حال العلم في عالم التشريع ، فلا يمكن أن تعمّه الآيات الناهية عن العمل بالظنّ . هذا في غير السيرة العقلائية . وأمّا السيرة فيمكن القول بأنّ نسبتها إلى الآيات الناهية نسبة الورود بل التخصّص ؛ لأنّ عمل العقلاء بخبر الثقة ليس من العمل بالظنّ ، وذلك لعدم التفاتهم إلى احتمال مخالفة الخبر للواقع ، فالعمل بخبر الثقة عندهم خارج عن العمل بالظنّ تخصّصا .
أضف إلى ذلك : أنّ رادعيّة الآيات الناهية للسيرة يلزم منها الدور المحال ؛ لأنّ الردع عن السيرة بالآيات الناهية يتوقّف على أن لا تكون السيرة مخصّصة لعمومها ،
هامش
( 1 ) الأنعام : 148 .
( 2 ) فوائد الأصول 3 : 161 - 162 .