وفيه أوّلا : أنّ هذه الرواية دليل على خلافه ، فإنّ ما يكون ذاتيا للإنسان يتحقّق معه في مرحلة الماهيّة مثل ذاتيّة الناطقيّة له ، ولا يختصّ بمرحلة من مراحل الوجود فقط ، فنفس تحديد السعادة والشقاوة بالمرحلة الأولى من مراحل الوجود الخارجي ، وهي بطن الامّ ينافي ذاتيّتهما للإنسان .
وثانيا : أنّ للرواية معنى عقلائيا ، وهو أنّه معلوم عدم صحّة القضاوة بملاحظة ظواهر الناس ؛ إذ لا علم لنا بعاقبتهم ، ولكن إذا أخبر مخبر صادق بأنّ عاقبة الشخص الفلاني تنتهي إلى السعادة ننظر إليه من حين الإخبار بنظرة السعيد ، مع أنّه لم يعمل بالفعل عمل الخير وما يوجب سعادته ، وهكذا إذا اخبر بأنّ عاقبة فلان ينتهي إلى الشقاوة ، ننظر إليه من حين الإخبار بنظرة الشقيّ مع أنّه لم يعمل بعد ما يوجب الشقاوة .
ويؤيّده ما نقله المفيد قدّس سرّه عن سالم بن أبي حفصة أنّه قال : قال عمر بن سعد للحسين عليه السّلام : يا أبا عبد اللّه إنّ قبلنا ناسا سفهاء يزعمون أنّي أقتلك ؟ فقال له الحسين عليه السّلام : إنّهم ليسوا بسفهاء ولكنّهم حلماء ، أمّا إنّه تقرّ عيني أن لا تأكل برّ العراق بعدي إلّا قليلا « 1 » .
والمستفاد من ذلك أنّ أهل العراق نظروا إلى عمرو بن سعد بنظرة الشقاوة لعلمهم بكونه قاتلا للحسين عليه السّلام بإخبار أمير المؤمنين عليه السّلام بذلك ، فمعنى الرواية أنّه يصحّ أن يقال في حقّ السعيد : إنّه سعيد وإن كان في بطن أمّه ، وفي حقّ الشقيّ أنّه شقيّ وإن كان في بطن أمّه ، لا أنّ السعادة والشقاوة ذاتيّتان للإنسان .
ونضيف إليه ما ورد بعنوان التفسير للرواية النبويّة عن موسى بن جعفر عليهما السّلام وهو ما ذكره ابن أبي عمير أنّه : سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السّلام عن معنى قول
هامش
( 1 ) الإرشاد : 489 .