والذاتي لا يعلّل ، ولا بدّ لنا من ملاحظة السعادة والشقاوة من حيث المفهوم ، وأنّ الإنسان في أيّ مرحلة يتّصف بهما .
لا يخفى أنّه لا فرق بين العرف والشرع في مفهوم السعادة والشقاوة ، والسعيد يقال لمن كان واصلا بآماله النفسانيّة وأغراضه الدنيويّة ، والشقيّ في مقابله ، إلّا أنّ الآمال والأهداف تتفاوت بحسب الأشخاص والأفراد ، وبنظر الشرع والعقلاء ؛ إذ الشارع يلاحظ إلى الدنيا بعنوان المزرعة والمعبر للآخرة والجنّة ؛ فلذا يعبّر في القرآن :
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها . . .
« 1 » .
وأمّا العقلاء الغير المتديّنين فيعتقدون بأنّ السعادة عبارة عن الإيصال بالأهداف والآمال الدنيويّة من مقام الرئاسة . . . بحسب اختلاف أنظارهم ، والبحث هنا حول السعادة والشقاوة بنظر الشرع ، وقد عرفت في الآية السابقة أنّ السعادة طريق ينتهي إلى الجنّة ، والشقاوة طريق ينتهي إلى النار ، وآية أخرى تكون بمنزلة التفسير لها وهي قوله تعالى :
فَأَمَّا مَنْ طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى * وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
« 2 » والظاهر أنّ السعادة عبارة عن الخوف عن مقام الربّ ، ونهي النفس الأمّارة بالسوء عن الهوى بالاختيار والإرادة ، وهذا يوجب الإيصال إلى الجنّة ، والشقاوة عبارة عن الطغيان واختيار الحياة الدنيوية ، وهذا ينتهي إلى النار ، ونستفاد من إسناد الفعل إلى الإنسان أنّهما أمران اختياريّان .
إذا عرفت هذا فنقول : إنّه لا ترتبط السعادة والشقاوة بقاعدة الذاتي لا يعلّل ،
هامش
( 1 ) هود : 105 - 107 .
( 2 ) النازعات : 37 - 41 .