تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
الملازمة - أي كلّ ما حكم العقل بقبحه حكم الشرع بحرمته - إليه استنباط الحكم الفقهي وهو أنّ التجرّي من المحرّمات في الشريعة ، ومعلوم أنّ هذا ضابطة لاصوليّة المسألة . والجواب عنه أوّلا : أنّ ملاك الاصوليّة أن تقع نتيجة البحث في كبرى القياس ، كقولنا : صلاة الجمعة ما دلّ خبر الواحد المعتبر على وجوبه ، وكلّ ما دلّ الخبر على وجوبه فهو واجب ، فصلاة الجمعة بما أنّها دلّ الخبر على وجوبها تكون واجبة ، بخلاف ما نحن فيه ، فإنّا نقول : التجرّي قبيح عقلا ، وكلّ ما حكم العقل بقبحه فهو حرام شرعا فالتجرّي حرام شرعا ، وأنت ترى وقوع مسألة الملازمة في كبرى القياس ووقوع مسألة التجرّي في صغرى القياس . وثانيا : أنّ جريان قاعدة الملازمة محدود بالنسبة إلى الحسن والقبح الواقعين في رتبة متقدّمة على الحكم الشرعي وسلسلة علله نظير حكم العقل بقبح الظلم ، واستكشاف حرمته شرعا من قاعدة الملازمة ، وإذا كان حكم العقل في رتبة متأخّرة عن حكم الشرع فلا مجال لقاعدة الملازمة ، نظير حكم العقل بقبح المعصية ، فإنّه متأخّر عن حكم الشرع بحرمة شرب الخمر مثلا ، وهكذا التجرّي متأخّر عن حكم الشرع بحرمة شرب الخمر والقطع بخمرية مائع وشربه بنيّة المعصية ، فصدق التجرّي متوقّف على ذلك ، فلذا لا محلّ لجريان قاعدة الملازمة هنا ، فلا يمكن أن يكون التجرّي بهذه الكيفيّة من مسائل علم الأصول . ولكن المحقّق النائيني قدّس سرّه « 1 » ذكر طريقا آخر لجعل المسألة أصوليّة ، وهو أنّ الإطلاقات والعمومات نظير لا تشرب الخمر - مثلا - هل يشمل مقطوع الخمريّة وإن لم يكن بحسب الواقع خمرا أم لا ؟ وعلى كلا التقديرين يستنبط الحكم الفقهي الفرعي .
هامش
( 1 ) فوائد الأصول 3 : 37 - 39 .