وقد مرّ في مسألة كاشفيّة القطع أنّه بالنسبة إلى معلوم بالعرض قد يكون مصيبا وكاشفا عنه وقد لا يكون كذلك ، فبالنسبة إلى معلوم بالعرض تكون كاشفيّته تامّة ، وعرفت القول بعينيّة القطع مع معلوم بالذات ، وعلى هذا لا معنى للكاشفيّة المتقوّمة على اثنينيّة ، وأمّا على القول بعدم العينيّة وتحقّق الشيئين في النفس أحدهما كاشفا والآخر مكشوفا ، فيصحّ البحث من إمكان جعل الكاشفيّة للقطع من الشارع وعدمه .
والظاهر أنّ طريقيّة القطع إلى الصورة النفسانيّة تكوينيّة ولا يمكن للشارع بما هو شارع الدخالة في الأمور التكوينيّة ، لا نفيا ولا إثباتا . فهذا نظير إيجاد الشمس مشرقة وإيجاد النار حارّة في عدم الارتباط بعالم التشريع . هذا تمام الكلام في المسألة الأولى من مسائل القطع .
المسألة الثانية : في التجرّي ، ولا بدّ قبل الخوض في البحث من ذكر أمور بعنوان المقدّمة :
الأوّل : في معنى التجرّي والانقياد بحسب الاصطلاح ، والتجرّي ارتكاب ما يعتقد كونه حراما مع عدم حرمته بحسب الواقع ، وترك ما يعتقد كونه واجبا مع عدم كونه كذلك واقعا ، والانقياد موافقة ما يعتقد كونه تكليفا لزوميّا ، مع أنّه ليس كذلك بحسب الواقع في مقابل الإطاعة والعصيان ، مع أنّهما بحسب اللغة أعمّ منهما .
الأمر الثاني : أنّ التجرّي لا يختصّ بالقطع وإن كان هو مصداقه البيّن ، كما إذا ارتكب ما يقطع بحرمته أو خالف ما يقطع بوجوبه ، مع أنّهما لا يكونا كذلك بحسب الواقع ، ولكن ينطبق في مورد الأمارات والأصول العمليّة أيضا ، كما إذا دلّ خبر الواحد المعتبر على وجوب صلاة الجمعة ، وتركها من قام عنده الخبر ، مع أنّها بحسب الواقع ليست بواجبة ، فيصدق هنا عنوان التجرّي ، إلّا أنّه على القول بحجّية الأمارات من باب الطريقيّة ، كما هو الحقّ والمشهور عند الإماميّة . وأمّا على القول بحجّيتها من باب السببيّة - بمعنى إحداث الحكم مطابقا لمؤدّى الأمارة بالنسبة إلى من قام عنده
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 310
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٣١٠