تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
اجتماع المتضادّين كالسواد والبياض في آن واحد ولو من ناحية اثنين ، وأمّا في باب الأوامر والنواهي فيمكن أن يكون طبيعة واحدة بالنسبة إلى مكلّف حراما وبالنسبة إلى الآخر واجبا ، فكيف يتحقّق التضادّ بين الأحكام ؟ ! إن قلت : إن لم يتحقّق التضاد بين الأحكام يصحّ للمولى أن يقول لعبده : صلّ في هذه الساعة ولا تصلّ فيها ، أي تحريم طبيعة واحدة ووجوبها بالنسبة إلى شخص واحد ، مع أنّه مستحيل بالبداهة . قلنا : إنّ منشأ الاستحالة هنا اجتماع الحبّ والبغض ، وهما أمران تكوينيّان ومن مبادئ البعث والزجر الاعتباري ، فإنّ البعث الاعتباري ناش عن حبّ المولى بتحقّق المأمور به في الخارج ، كما أنّ الزجر الاعتباري ناش عن بعضه بتحقّقه فيه ، ولا يعقل أن يكون شيء واحد في آن واحد محبوبا ومبغوضا له . واستشكل سيّدنا الأستاذ الإمام قدّس سرّه « 1 » على ما ذكره صاحب الكفاية قدّس سرّه بأنّ هذا الاجتماع نظير اجتماع الحكم الواقعي والظاهري في مورد الشكّ إذا كان مشكوك الطهارة بحسب الواقع نجسا ، فإنّه طاهر بمقتضى قاعدة الطهارة ونجس بحسب الحكم الأوّلي ، فلما ذا لا يتحقّق هنا مسألة اجتماع الضدّين ؟ ففيما نحن فيه أيضا يمكن أن تكون المسألة بهذه الكيفيّة ، بأن يقول الشارع : إذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة لا تكون صلاة الجمعة عليك واجبة بدون تحقّق التضادّ أصلا . نعم ، يكون جعل الحكم الظاهري امتنانا وتسهيلا على المكلّف الشاكّ بدون استلزام اللغوية ، بخلاف ما نحن فيه ، فإنّ قول الشارع بعدم وجوب صلاة الجمعة على القاطع به لغو ، وصدوره قبيح عن الحكيم ، ولكن اللّغوية مسألة واجتماع الضدّين مسألة أخرى ، وسيأتي تفصيل هذا الكلام إن شاء اللّه .
هامش
( 1 ) تهذيب الأصول 2 : 8 .
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 309 | الشيخ فاضل اللنكراني