ومعلوم أنّ القطع حجّة سواء كان بالنسبة إلى الحكم أو الموضوع ، وإن كان مخالفا لنظر مقلّد القاطع فإنّ حجّية فتواه له تكون بعنوان الأمارة ، وقد عرفت أنّ العمل بها وظيفة غير القاطع ، وحجّية القطع أمر ذاتي وبديهيّ ولا يتوقّف على أمر المفتي ، كما أنّ أصل التقليد ومراجعة الجاهل بالعالم يكون كذلك ، فعموميّة دائرة القطع وشموله للمجتهد والمقلّد لا شكّ فيه ، وهكذا الأصول العملية والأمارات الجارية في الموضوعات ، مثل استصحاب نجاسة الثوب وقيام البيّنة على خمرية مائع لا يرتبط بالمجتهد ، إلّا من جهة قوله بحجّية الاستصحاب والأمارة .
إنّما الإشكال في الأمارات الدالّة على أصل الحكم والأصول العمليّة الجارية في الشبهات الحكميّة ، والمحقّق النائيني قدّس سرّه قائل بعدم ارتباطها بالمقلّد العامّي ؛ لعدم اطّلاعه بقيام الأمارة على وجوب صلاة الجمعة مثلا ، وعدم علمه بحجّية الخبر الواحد مثلا بعد اختلاف العلماء فيها ، واختلاف القائلين بالحجّية بأنّ خبر العادل حجّة أو الثقة أو موثوق به وعدم علمه بالخبر المعارض ، وتشخيصه عن غير المعارض ، مع أنّه لا بدّ في جريان الأصول العمليّة في الشبهات الحكميّة من الفحص عن الدليل واليأس عن الظفر به ، فلا محالة يكون المكلّف المقسم عبارة عن المجتهد .
وأنكره المحقّق العراقي قدّس سرّه « 1 » بأنّ المجتهد إذا انتهى نظره بحسب الروايات بأنّ الماء الكرّ إذا تغيّر أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة يصير نجسا . ولكنّه لاحظ خارجا أنّ الماء المذكور زال تغيّره من قبل نفسه بعد مدّة فهو حينئذ صار شاكّا ببقاء نجاسته وعدمه ، فإن كان قائلا بحجّية الاستصحاب يجري الاستصحاب ويحكم بنجاسته .
وأمّا المقلّد في أصل الحكم بالنجاسة يقول به حسب فتوى المجتهد ، ولكنّه بعد زوال تغيّر الماء من قبل نفسه أيضا يشكّ في بقاء النجاسة ثمّ يرجع إلى المجتهد ويسأل عنه ، بأنّ هذا هل وقع مورد تعرّض الروايات نفيا أو إثباتا أم لا ؟ ويقول المجتهد بعدم
هامش
( 1 ) نهاية الأفكار : 3 : 3 .