والجواب عنه أوّلا : أنّ القاعدة وإن كانت مقتضية لعدم الفرق بينهما ، إلّا أنّ الإجماع على عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد أوجب الفرق بينهما ، ولولاه لقلنا بالجواز في كليهما ، ولا بدّ من الاقتصار في المتيقّن فيما خالف القاعدة ، وهو النسخ دون التخصيص .
وثانيا : أنّ قياس النسخ بالتخصيص مع الفارق ، حيث إنّ الدواعي لضبط نواسخ القرآن كثيرة ، ولذا قلّ الخلاف في تعيين موارده بخلاف التخصيص . توضيح ذلك : أنّ طريق إثبات القرآنية بأنّ هذه الآية أو السورة جزء من القرآن منحصر بالإجماع والتواتر ، فلذا رد قرآنية قول عمر : إذا زنيا الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم ، ولم يقبل منه أحد ، وإن التزم المتأخّرين من العامّة بنسخ آية الرجم تلاوة وبقائها حكما في مقام توجيه ادّعائه ، كما قالوا أيضا : إنّه صحيح ما يروى عن عائشة وأنّ ممّا أنزل في القرآن : عشر رضعات معلومات يحرمن . . . فنسخن بخمس رضعات معلومات . . . وهذا هو التحريف ، مع اتّهامهم للشيعة بأنّهم قائلون بذلك ، والحال أنّهم أنكروا التحريف من الصدر الأوّل إلى يومنا هذا بأشدّ الإنكار .
وبالنتيجة لا يعقل نسخ الكتاب بخبر الواحد بعد انحصار طريق إثباته بالتواتر والإجماع وكونه بعنوان المعجزة الباقية إلى يوم القيامة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فلا بدّ من نسخه بآية أخرى أو الإجماع والخبر المتواتر ، بخلاف التخصيص فإنّه تبيين وتفسير للعام ، فخبر الواحد لا يصلح لأن يكون ناسخا للقرآن .
ثمّ إنّه وقع البحث في تحقّق آية الناسخ والمنسوخ في القرآن ، وأنكره بعض الأعلام قدّس سرّه إلّا في آية النجوى بلحاظ ظهور العبارة في المنسوخية وهو قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ . . .