ويمكن أن يقال بأنّ العام الكتابي قطعيّ الصدور وخبر الواحد ظنّي الصدور فكيف يمكن تخصيصه به ؟ !
والجواب عنه يحتاج إلى توضيح بأنّ المولى إذا قال لعبده : « أكرم كلّ عالم » ثمّ قال بعد مدّة : « لا تكرم زيد العالم » لا شكّ في عدم جريان أصالة العموم وتخصيص أكرم كلّ عالم ، مع أنّ كلاهما قطعي الصدور .
كما أنّه لا شكّ في جريان أصالة العموم إذا صدر عن المولى : « أكرم كلّ عالم » واحتمل العبد صدور المخصّص أيضا عنه ، ولكن لم يجده بعض الفحص .
وأمّا إذا علم المكلّف بصدور أكرم كلّ عالم عنه وقامت قرينة ظنّية معتبرة مثل خبر الثقة بصدور لا تكرم زيد العالم أيضا عنه مع أنّه حجّة عند العقلاء ، فلا إشكال في أنّ طرفي المعارضة عبارة عن العام القطعي الصدور والخاص الظنّي الصدور ، ومعلوم أنّه للعام عبارة عن أصالة العموم التي يرتبط بالدلالة ، وللخاص عبارة عن الصدور ، وصدور العام كدلالة الخاصّ خالي عن المعارض ، ولا يمكن حفظ أصالة العموم في العام ، وصدور الخاصّ عن المولى ، فلا بدّ من أخذ أحد منهما .
إذا عرفت هذا فنقول : إنّ أصالة العموم مستندة إلى بناء العقلاء ، كما أنّ حجّية خبر الثقة مستندة إليه ، إلّا أنّ التمسّك بأصالة العموم مشروط عندهم بعدم الدليل المعتبر في مقابلها ، والشاهد على ذلك تقديم الخاصّ على أصالة العموم في الفرض الأوّل عندهم ، بخلاف خبر الثقة فإنّه حجّة مطلقا ، والشاهد على ذلك حكمهم بتساقط الخبرين المتعارضين على القاعدة ، ومعنى التساقط أنّ كلّ منهما حجّة في نفسه ، والتساقط يكون بلحاظ عدم إمكان الجمع بينهما لا أنّ كلّ منهما يصير فاقدا للحجّية بلحاظ تحقّق المعارض والمخالف ، فيكون خبر الثقة مقدّما على أصالة العموم بنحو الورود بلحاظ انعدام شرط حجّيتها .
وهكذا في العام الكتابي فإنّه وإن كان قطعي الصدور ولكن تستفاد دلالته من
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 244
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٢٤٤