وأمّا دليله لعدم استلزام التخصيص للمجازية في العام فهو أنّ المولى إذا قال :
« أكرم كلّ عالم » ثمّ قال بدليل منفصل : « لا تكرم الفسّاق من العلماء » فلا يتوهّم المجازية في كلمة الكلّ ؛ لدلالتها على استيعاب أفراد مدخوله بدلالة وضعيّة لفظيّة ، بلا تفاوت بين سعة دائرة المدخول أو ضيقه ، فإنّها تكون في كلا المقامين بمعنى واحد ، وهكذا في لفظ العالم فإنّه استعمل في طبيعة مهملة ، وتكون قابلة للجمع مع كلّ قيد ، وقيّدها بقوله : « لا تكرم الفسّاق من العلماء » نظير قوله : « أكرم كلّ عالم عادل » إذ يحتمل هنا استعمال لفظ العالم في الطبيعة المرسلة ، ويحتمل استعماله في الطبيعة المقيّدة بالعدالة ، ويحتمل استعماله في الطبيعة المهملة ، والأوّل مستلزم للتناقض ؛ لعدم إمكان تقييد الطبيعة المرسلة الشاملة لجميع الأفراد بالعدالة ، والثاني لا يكون قابلا للالتزام ، فإنّ معناه عدم دلالة لفظة العادل معنى زائدا على مدلول لفظ العالم ، بل هي قرينة لاستعمال لفظ العالم في خصوص العالم العادل ، فلذا يتعيّن الاحتمال الثالث ، يعني استعماله في الطبيعة المهملة ، والخصوصيّة إنّما استفيدت من لفظة عادل ، فلم يستعمل العالم إلّا في معناه ، بلا فرق بين أن يكون القيد متّصلا أو منفصلا أو لم يذكر تقييد أصلا ، فمن أين تأتي المجازية وأيّ لفظ لم يستعمل في معناه حتّى يتوهّم المجازية فيه ؟
والتحقيق : أنّ المقايسة بين المخصّص المتّصل والمنفصل ليس بصحيح ؛ إذ يجوز للمتكلّم أن يلحق بكلامه ما شاء ما دام مشتغلا به ، وبعد الفراغ عنه يتحقّق له ظهور ، فإن ذكر كلمة يرمي - مثلا - بعد جملة : رأيت أسدا ، فبأصالة الظهور يحكم أنّ المراد هنا هو الرجل الشجاع ، وإن لم يذكر كلمة يرمي بعدها ، فيحكم بأنّه أراد منه معناه الحقيقي بدون أيّ حالة انتظارية .
وهكذا فيما نحن فيه فإنّا نعلم في مثل قوله : « أكرم كلّ عالم عادل » بدلالة لفظة العالم على الطبيعة المهملة ، وتقييدها بكلمة العادل بحكم أصالة الظهور . إنّما الإشكال في مدلول قوله : « أكرم كلّ عالم » قبل بيان المخصّص بدليل منفصل ، بأنّه استعمل في
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 173
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص١٧٣