بمقام التقنين ، مع أنّه يتحقّق التناقض بين العام والخاص من حيث المنطق ، فإنّ نقيض الموجبة الكلّية هو سالبة جزئية ، كما أنّه يتحقّق التضادّ بينهما في مقام الإخبار .
وأمّا في مقام التقنين فيتحقّق بينهما الجمع الدلالي ، فلذا يصحّ تخصيص عمومات القرآن بخبر واحد معتبر ، فيصحّ التفكيك بين الإرادتين ومراد الجدّي والاستعمالي بهذا البيان .
ويتحقّق هذا المعنى في الأوامر الاختيارية أيضا ؛ إذ لا شكّ في أنّ مراد الوالد مثلا من قوله : « ادخل السوق واشتر اللحم » هو معناه الحقيقي حين الاستعمال أي انبعاث ولده إلى المبعوث إليه ، مع أنّ مراده الجدّي هو الاختبار لا الانبعاث الحقيقي ، هذا توضيح كلام صاحب الكفاية قدّس سرّه .
ولكن استشكل عليه المحقّق النائيني قدّس سرّه « 1 » ثمّ ذكر طريقا آخر للتخلّص عن المجاز ، وإشكاله أنّ التفكيك بين الإرادة الجدّية والاستعمالية ليس بصحيح ، فإنّ مراد المولى من قوله : « أكرم العلماء » إن كان العموم فاستعمل لفظ العام وأراد منه معناه الحقيقي ، فمراد الجدي والاستعمالي واحد ، وإن كان مراده غيره فمعناه استعمال لفظ له الظهور ولم يرد ما هو مقتضى ظاهره بدون أيّ قرينة ، فلا محالة يعبّر عنه بالهازل ، نظير قوله : « رأيت أسدا » واستعماله في الرجل الشجاع بدون قرينة .
والجواب عنه : أنّ منشأ هذا الإشكال غفلته من أنّ التفكيك بين الإرادتين لا يصحّ إلّا في مقام التقنين ونظائره مثل مقام الاختبار ، لا في جميع الاستعمالات كما صرّح صاحب الكفاية قدّس سرّه بعدم صحّته في مقام الإخبار ؛ إذ يحكم العرف بالتناقض بين قولنا : ما جاءني من القوم أحد ، وقولنا : جاءني من القوم زيد ، وإن ادّعينا أنّ مرادنا الجدّي هو عدم مجيء القوم سوى زيد ، وهكذا لا يصحّ في مثل : رأيت أسدا .
هامش
( 1 ) فوائد الأصول 1 : 517 .