فالتحقيق : أنّ كلام السكاكي عام يشمل مطلق المجاز . والفرق بين كلامه وما ذكرناه أنّه يبني مذهبه على أنّ التصرّف في أمر عقليّ وأنّ المستعير يدّعي أنّ للأسد - مثلا - فردا آخر وهو الرجل الشجاع .
والاعتراض عليه أوّلا : أنّ هذا الكلام صحيح في أسماء الأجناس لكلّيتها وتصوّر الفرد الحقيقي والادّعائي فيها ، بخلاف الأعلام الشخصيّة كقولنا : هو حاتم ؛ إذ لا يتحقّق لحاتم فردان . وقال التفتازاني في مقام توجيه كلامه : إنّ المستعير يتأوّل في وضع اللفظ ويجعل حاتم كأنّه موضوع للجواد ، والجواب عنه أنّ حاتم صار علما لشخص كذا قبل اتّصافه بصفة الجود ، بل بدون التفات الواضع إلى صفة الجود فكيف يمكن تعميمه إلى كلّ من يتّصف بهذه الصفة ؟ !
وثانيا : أنّ اللفظ في أسماء الأجناس أيضا موضوع للفرد الواقعي لا ادّعائي ، فكيف يمكن توسعته إليه ويلزم على ذلك كرّ على ما فرّ ؟ !
ولا يرد مثل هذه الإشكالات على ما ذكرناه ، فإنّا نقول : إنّ تلك الألفاظ مستعملة في معانيها الأصليّة ومستعملها لم يحدث معنى جديدا بل أراد بها معانيها الأوّلية بالإرادة الاستعمالية على نحو سائر استعمالاته من غير فرق بينهما في مرحلتي الوضع والاستعمال أصلا ، ولكن يتحقّق في الرتبة المتأخّرة عن الاستعمال ، الادّعاء بأنّ هذا حاتم وهو أسد ، وهذا ما يطابقه الوجدان ويعضده البرهان ، ولا يعرض على ذهن مستقيم إلّا قبله ، ولا على طبع سقيم إلّا رفضه ، هذا تمام كلامه قدّس سرّه مع تلخيص وتوضيح منّا ، وهو كلام جيّد وقابل للمساعدة كما قال به سيّدنا الأستاذ الإمام قدّس سرّه .
إذا عرفت هذا فنقول : هل يكون تخصيص العام مستلزما لمجازيّته على هذا المبنى أم لا ؟ يمكن أن يتوهّم أنّ المولى إذا قال : « أكرم العلماء » ثمّ قال بدليل منفصل :
« لا تكرم الفسّاق من العلماء » يستفاد من تطبيق العام على غير الفاسق أنّ العالم الفاسق كأنّه ليس بعالم ادّعاء .
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 169
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص١٦٩