الأذهان ، ومحصّل كلامه بتوضيح منّا : أنّ الداعي للاستعمالات المجازية عبارة عن اللطائف والظرائف والنكت التي لا يمكن إلقائها بالاستعمالات الحقيقيّة ، والمجاز على القول المشهور ليس سوى التلاعب بالألفاظ ، ولا حسن فيه ، مع بعده عن مقام الفصحاء ، بل يستلزم في بعض الموارد للكذب والغلط ، مثل قول الشاعر لمحبوبته :
قامت تظلّلني ومن عجب * شمس تظلّلني من الشمس
ولولا إرادة معاني هذه الألفاظ لما كان موقع للتعجّب عن تظليل محبوبته ؛ لأنّه جسم حائل ويمنع الشمس عن الإنسان ، فكيف يكون التعجّب من تظليله ، ويصحّ التعجّب فيما كانت محبوبته فردا من الشمس ادّعاء ، وهكذا في مثل قوله : أسد عليّ وفي الحروب نعامة ، ومقصوده هنا من الأسد أسد حقيقي ، ومن النعامة نعامة حقيقيّة ، ونحو ذلك من الأمثلة .
وكلامه قدّس سرّه يعمّ مطلق المجاز مرسلا كان أم استعارة ، وصرّح أنّ بملاحظة مجموع كلام السكاكي في المفتاح يظهر أنّه يعمّ مذهبه أيضا في مطلق المجاز ، وإنّما خصّ الاستعارة بالمثال لأنّها من أشهر أقسامه ، ومن البعيد من مثله أن يفرّق بينهما من غير فارق أصلا ؛ إذ الادّعاء الذي بنى عليه مذهبه ممكن في جميع أقسام المجاز .
أمّا قوله تعالى :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها
« 1 » فالمشهور قائل بأنّ المقصود من القرية بعلاقة الحالّ والمحلّ هو أهل القرية ، مع أنّه لا حسن فيه وليس بصحيح ، فإنّ مقصود أبناء يعقوب أنّ الدرب والجدار يشهد بصدقنا ووجدان صواع الملك في رحل أخينا .
وهكذا في قولنا حين موت عالم : كيف لا تظلم الدنيا وقد فقدت الشمس ، ونحو ذلك .
هامش
( 1 ) يوسف : 83 .