مطلقا ، الثالث : التفصيل بين المخصّص المتّصل والمنفصل بجواز التمسّك في الأوّل وعدم جوازه في الثاني .
ومنشأ البحث أنّ تخصيص العام مستلزم للمجازية في دليل العام أم لا ، والقائل بالاستلزام يقول بأنّ تخصيص العام كاشف عن عدم استعمال أكرم العلماء في معناه الحقيقي من الابتداء ، ولازم ذلك عدم التمسّك به ؛ لأنّا لا نعلم بدائرة المجاز من حيث التوسعة والضيق . والقائل بعدم الاستلزام يقول باستعمال العام في صورة التخصيص وعدمه في معناه الحقيقي وجواز التمسّك به مطلقا . والقائل بالتفصيل يقول بالاستلزام إذا كان التخصيص منفصلا ، ويقول بعدمه إذا كان التخصيص متّصلا ، وفي الصورة الثانية يقول بجواز التمسّك به بخلاف الصورة الأولى .
فلا مناص من البحث والتحقيق في حقيقة المجاز من باب المقدّمة وهو عند المشهور كما قال به صاحب الكفاية قدّس سرّه عبارة عن استعمال اللفظ في غير ما وضع له بعلاقة من العلائق المذكورة في محلّها ، والحقيقة استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له ، فلفظ الأسد - مثلا - إذا استعمل في الحيوان المفترس يكون استعمالا حقيقيّا ، وإذا استعمل في الرجل الشجاع بعلاقة المشابهة استنادا بإجازة الواضع يكون استعمالا مجازيّا ، فيكون استعمال اللفظ في كليهما بلا واسطة بدون أيّ تصرّف عقلي ومعنوي ، إلّا أنّ الاستعمال المجازي يحتاج إلى قرينة .
وقال السكاكي في قسم من المجاز - أي الاستعارة مثل رأيت أسدا في الحمّام - :
إنّ اللفظ مستعمل في معناه الحقيقي ، ولكن يتحقّق التصرّف في أمر عقلي ، وهو ادّعائه أنّ الرجل الشجاع أيضا من مصاديق الأسد ، بمعنى أنّه يتحقّق للأسد فرد حقيقي وهو الحيوان المفترس ، وفرد ادّعائي وهو الرجل الشجاع .
وأجود من ذلك ما قال به الشيخ أبو المجد الأصفهاني قدّس سرّه « 1 » في كتاب وقاية
هامش
( 1 ) وقاية الأذهان : 103 - 135 .