تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
الواضحات التي لا تخفى على أحد ، فإنّ هذا يستلزم أن يكون سماع اللفظ وتصوّره علّة تامة لانتقال الذهن إلى معناه ، ولازمه استحالة الجهل باللغات ، مع أنّ إمكانه ووقوعه من أوضح البديهيات . وإن أراد قدّس سرّه به ثبوتها للعالم بالوضع فقط دون غيره فيرد عليه أنّ الأمر وإن كان كذلك - يعني : أنّ هذه الملازمة ثابتة له دون غيره - إلّا أنّها ليست بحقيقة الوضع ، بل هي متفرّعة عليها ومتأخرة عنها رتبة ، ومحلّ كلامنا هنا تعيين حقيقة التي تترتّب الملازمة بين تصوّر اللفظ والانتقال إلى معناه . أقول : لا يخفى عليك أنّ أساس هذا الإشكال باطل ؛ إذ الواضع أوجد الملازمة بين اللفظ والمعنى واقعا ، ولا ربط له بالعالم والجاهل ، كالملازمة الواقعيّة التي بيّنها في الآية :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
ولكن يبقى الإشكال بأنّه ليس في كلام بعض الأعاظم كلمة « الإيجاد » نعم يمكن أن يكون مراده قدّس سرّه . هذا . ولكن كلامه قدّس سرّه مخدوش من جهة أخرى فإنّه لا يعقل لنا تصوّر الملازمة التي كانت لها من ناحية الحدوث سابقة العدم ، ومن ناحية البقاء واقعيّة أزليّة ، فكيف يمكن هذا مع أنّ نفس عمل الواضع له عنوان اعتباري ؟ ! فلا بدّ من كونها إمّا حدوثا وبقاء أزليّة ، وإما حدوثا وبقاء اعتبارية ، مع أنّه لا يوجد باعتبار معتبر واقعيّة أزلية . القول الثالث في المسألة من جماعة من العلماء ، منهم صاحب كتاب منتهى الأصول « 1 » ، وهو : أنّ الوضع عبارة عن الهوهويّة والاتحاد بين اللفظ والمعنى في عالم الاعتبار . توضيحه : أنّ هذه الهوهويّة والاتحاد ملاك للحمل في القضايا الحمليّة ، مثل « زيد قائم » إذ لا يكون بينهما نسبة متحقّقة ، فإنّ كلاهما واحد ، ولكن هذه الهوهويّة والاتحاد هاهنا واقعيّة . بخلافها في مسألة الوضع فإنّها فيه اعتباريّة . ولا يخفى أنّ اتحاد
هامش
( 1 ) منتهى الأصول 1 : 15 .