بخلاف الدلالة المطابقيّة والتضمنيّة ، فلذا لا معنى لبقاء الدلالة الفرعية بعد ارتفاع الدلالة الأصليّة ، فلا يعقل بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب ، فلو فرض عدم استحالة المسألة في مقام الثبوت لا يمكن الالتزام بها في مقام الإثبات .
وأمّا في مثل « صلّ صلاة الجمعة » و « لا تجب صلاة الجمعة » بعد اختلاف الدليلين في أصل الوجوب فالمشهور قائل بأنّ هيئة « افعل » حقيقة في الوجوب ومجاز في غيره ، وإن استعمل اللفظ يحمل على الحقيقة إن لم تكن قرينة على خلاف المعنى الحقيقي ، وأمّا إذا كانت القرينة على خلافه - مثل لا تجب صلاة الجمعة - يوجب التصرّف في هيئة « افعل » ويحمل على غير معنى الموضوع له . ولكن على ما اخترناه في هذه المسألة من أنّه لا يكون من الحقيقة والمجاز في هيئة « افعل » أثر ولا خبر ، بل مفادها عبارة عن البعث إلى المبعوث إليه إلّا أنّ البعث الناشئ عن الإرادة الحتمية بدون الترخيص في مخالفته من ناحية المولى نسمّيه بالوجوب ، وأمّا إذا استعملت هيئة « افعل » مع الترخيص في مخالفته من ناحيته نكشف أنّ البعث لا يكون ناشئا عن الإرادة الحتمية ونسمّيه بالاستحباب ، وعلى هذا المبنى استعملت هيئة « صلّ » في معناها الحقيقي ، إلّا أنّ ترخيص المولى بمخالفته بقوله : « لا تجب صلاة الجمعة » دليل على أنّ هذا البعث لا يكون ناشئا عن الإرادة الحتمية ، فلذا يحمل على الاستحباب .
فبمجرّد مشابهة الصوري بين هذه المسألة وبين ما نحن فيه لا يمكن القول ببقاء الجواز والرجحان بعد نسخ الوجوب ، فليس لنا دليل على بقاء الجواز .
والطريق الآخر لبقاء الجواز عبارة عن استصحابه ، ولكن لا مجال له إلّا بناء على جريانه في القسم الثالث من أقسام الاستصحاب الكلّي ، وهو ما إذا شكّ في حدوث فرد كلّي مقارنا لارتفاع فرده الآخر ، وبعد جريان الاستصحاب يترتّب عليه آثار الكلّي لا الفرد ، وفيما نحن فيه تحقّق الجواز في ضمن الوجوب قطعا يحتمل أن يتحقّق مقارنا لارتفاع وجوب فرد الآخر من الجواز نستصحب كلّي الجواز ولا مانع عنه .
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 744
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٧٤٤