تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 723

مساهمون:

ص٧٢٣
إتيان المكلّف به مكلّف والعاجز عنه ليس بمكلّف . ومن المعلوم أنّ الشرائط الشرعيّة يكون بيانها بيد الشارع ولا دخل للعقل فيها ، وأمّا إذا كان الشرط عقليّا لا بدّ له من ملاك عقلي ، وبعد المراجعة إلى العقل فيما نحن فيه نرى أنّه يتحقّق قاعدة مسلّمة عنده ، وهي قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، يعني يحكم العقل بقبح مؤاخذة العبد الجاهل لمخالفة تكليف لم يبيّن له ، ومن هنا نفهم أنّ التكليف متوجّه إلى الجاهل أيضا ، ولا يكون مثل غير المستطيع ؛ إذ لا يصحّ التعبير بأنّه يقبح مؤاخذة غير المستطيع لمخالفة الحجّ ، فإنّه ليس بمكلّف أصلا ، ولكن الجاهل مكلّف ، ويتحقّق منه مخالفة التكليف ، إلّا أنّه لا يصحّ على المولى أن يؤاخذه ويعاقبه ، ويؤيّده قوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
« 1 » وهو أيضا ناظر إلى حكم العقل ، فلا شرطية للعلم ؛ إذ لا ينتفي المشروط بانتفاء الشرط ، مع أنّه لا فرق في معنى الشرطيّة بين الشرط الشرعي والشرط العقلي . وهكذا من ناحية القدرة بعد شمول خطاب عام مثل :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ
« 2 » للقادر والعاجز بحكم العقل بعد المراجعة إليه بأنّ العاجز معذور في المخالفة ، لا أنّه ليس بمكلّف ، فلا فرق في أصل توجّه التكليف إليهما ، فالقدرة أيضا لا يكون من شرائط عامّة التكليف ، مع أنّه يتحقّق دليلان لنفي شرطية كلّ من العلم والقدرة : أمّا الدليل الأوّل بالنسبة إلى نفي شرطية العلم عبارة من أنّه إذا شككنا في تحقّق الشرط في سائر الواجبات المشروطة يكون معناه الشكّ في تحقّق المشروط ، وبعد الفحص عن تحقّق الشرط يجري البراءة عن المشروط كالشكّ في تحقّق الاستطاعة وعدمه ، فإنّه يرجع إلى الشكّ في وجوب الحجّ ، وهو يكون مجرى البراءة ، وإذا كان العلم شرطا للتكليف ينتج الشكّ في التكليف القطع بعدم التكليف بدون احتياج إلى
هامش
( 1 ) الإسراء : 15 . ( 2 ) البقرة : 183 .