وكان لهذا التعريف خصوصيات : منها : ذكر كلمة الآليّة ، فتخرج بها القواعد الفقهيّة ؛ إذا المراد بها كونها آلة محضة ، ولا ينظر فيها بل ينظر بها فقط ، والقواعد الفقهيّة ينظر فيها فتكون استقلاليّة لا آليّة ؛ لأنّ قاعدة « ما يضمن وعكسها » مثلا حكم فرعي إلهي منظور فيها على فرض ثبوتها ، والبيع والإجارة وأمثال ذلك من أفراد هذه القاعدة ، وكذلك في سائر القواعد مثل قاعدة « لا ضرر » و « لا حرج » و « لا غرر » فإنّها مقيّدات للأحكام ، مثل : « كتب عليكم الصيام » بنحو الحكومة ، فلا تكون آلة لمعرفة حال الأحكام .
وأمّا دليل الاستصحاب مثل : « لا تنقض اليقين بالشكّ » وإن كان ظاهره الاستقلاليّة بنظر الابتدائي - مثل بقاء وجوب صلاة الجمعة ، فإنّ المنشأ فيه هو الرواية - ولكنّه في الواقع حكم آليّ لا الاستقلالي ، كما أنّ جعل الحجّية لخبر الواحد حكم كلّي آليّ بجعل الشارع وإن كان من طريق بناء العقلاء وإمضاء الشارع ، ولكن مع هذا لا يمكن القول بأنّ حجّيّة خبر الواحد أمر استقلالي ، بل الغرض من الحجّيّة ترتّب الأثر على خبر زرارة فقط ، وهكذا في دليل الاستصحاب ، والأمر هنا سهل .
وأمّا الظاهر من دليل أصالة الحليّة - مثل : كلّ شيء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه - وأصالة الطهارة - مثل : كلّ شيء لك طاهر حتّى تعلم أنّه قذر - فإنّهما استقلاليّتان ، كقاعدة كلّ ما يضمن وعكسها ، فانتقض التعريف بهما .
ولكنّه قال الإمام - دام ظلّه - « 1 » : وأمّا خروج بعض الأصول العمليّة فلا غرو فيه على فرضه ، منها : ذكر كلمة - يمكن - في التعريف ، وقال : إنّما قلنا : يمكن أن تقع . . . لأنّ مناط الاصوليّة هو الإمكان لا الوقوع الفعلي ، فالبحث عن حجّيّة القياس والشهرة والإجماع المنقول ، وخبر الواحد عند من لم يقل بحجّيته - مثل السيّد علم الهدى وابن إدريس - بحث أصولي لإمكان وقوعها في طريق الاستنباط . ومنها : ذكر
هامش
( 1 ) تهذيب الأصول 1 : 12 .