طرف النفي أو الإثبات في باب الملازمة وكنّا في حال الشكّ باقيا هل يتحقّق أصل عملي لإثبات أحد الطرفين أم لا ؟ قد يقع مجرى الأصل ما هو محلّ النزاع في بحث مقدّمة الواجب يعني الملازمة وعدمها ، وعلى هذا لا يكون هنا أصلا ؛ إذ الملازمة تكون من المسائل العقلية كما مرّ ، وليست لها حالة سابقة عدمية حتّى يحتمل تبدّلها بالوجودية ، بل هي أزلية وأبدية مثل حكم العقل بامتناع اجتماع النقيضين ، فإن تحقّقت الملازمة يكون تحقّقها من الأزل إلى الأبد ، وإن لم يتحقّق يكون عدم تحقّقها أيضا كذلك ، فلا أصل في أصل المسألة ، وقد يقع مجرى الأصل نتيجة المسألة ، يعني ما جعلناه ثمرة أصولية ، وهي عبارة عن وجوب المقدّمات شرعا ، وعلى هذا يتحقّق استصحاب العدم ، فإنّ الأحكام الشرعيّة حادثة وتكون لها حالة سابقة عدمية ، كالحجّ - مثلا - فإنّ وجوبه حدث بعد نزول الآية :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
« 1 » ، وإذا شكّ في وجوب بعض مقدّماته يجري استصحاب العدم .
ولكنّه استشكل عليه أوّلا : بأنّ مجرّد تحقّق حالة سابقة عدمية لا يكفي في جريان الاستصحاب ، ويلزم أيضا أن يكون المستصحب حكما شرعيّا أو موضوعا له ، وهذا الشرط مفقود فيما نحن فيه ، لا بلحاظ أنّ عدم الوجوب ليس بمجعول شرعي ، بل بلحاظ أنّ الملازمة تكون عقليّة وقهريّة بين الوجوبين وليس بمجعول للشارع ؛ إذ لا يكون وجوب المقدّمة نفيا وإثباتا بيد الشارع ، ولا يمكن له أن يقول :
أوجبت الصلاة بخلاف مقدّماتها ؛ لأنّ وجوبها أمر قهريّ وممّا لا بدّ منه ، فكيف يجري الاستصحاب ؟
والجواب عنه : أنّ المجعول الشرعي قد يكون بالذات وبلا واسطة ، وقد يكون بالتبع مثل جزئيّة أجزاء المأمور به المركّب ، وما يعتبر في جريان الاستصحاب عبارة عن مطلق المجعول الشرعي ، سواء كان بالذات أم بالتبع ، فلذا يجري استصحاب عدم
هامش
( 1 ) آل عمران : 97 .