فلا محالة يكون البعث نحو أمر متأخّر عنه بالزمان ولا يتفاوت طوله وقصره فيما هو ملاك الاستحالة والإمكان في نظر العقل الحاكم في هذا الباب ، وهو تخلّف الانبعاث عن البعث وعدمه ، فإن كان مستحيلا فلا فرق في الاستحالة بين المعلّق والمنجّز ، وإن كان ممكنا فكذلك أيضا .
وثالثا : لو سلّمنا أنّه لا يجوز الانفكاك بين البعث والانبعاث ، ولكن ليس معناه التقارن بينهما من حيث الوجود بلا فصل بحيث إن تعلّق غرض المولى يتحقّق المبعوث إليه غدا ، بل معناه أنّ المبعوث إليه إن كان هو السفر في الغد لا بدّ من تحقّقه غدا ، وإن كان هو السفر في الحال فلا بدّ من تحقّقه في الحال ، فلذا لا يثبت بهذا البيان استحالة الواجب المعلّق ، ولا نحتاج إلى بيان سائر أدلّة الاستحالة بعد المناقشة بكلام المحقّق الاصفهاني قدّس سرّه ، فالواجب المعلّق من حيث الإمكان لا يكون قابلا للمناقشة .
وقد مرّ منّا أنّ منشأ هذا التقسيم وما أوجب لاختراعه هو صاحب الفصول أنّه لاحظ تبعيّة وجوب المقدّمة لوجوب ذي المقدّمة ، ومعناه عدم اتصافها به قبل اتصافه ، وأنّه لاحظ أيضا في الفقه الفتوى بوجوب المقدّمة قبل وجوب ذي المقدّمة ، مثل وجوب تحصيل الزاد والراحلة ونحو ذلك للمستطيع قبل الموسم ووجوب غسل الجنابة قبل طلوع الفجر في ليلة شهر رمضان ونحو ذلك ، فالتزم بهذا التقسيم جبرا للتخلّص عن هذه المشكلة .
وقد مرّ ما حكيناه من الشيخ الأعظم الأنصاري قدّس سرّه أنّه قائل برجوع جميع القيود في الواجبات المشروطة إلى المادّة والمأمور به ، ولا فرق بين شرطية الوقت في الصلاة وشرطيّته في الحجّ ؛ إذ يتحقّق التكليف في كليهما قبل الوقت ، فلا إشكال في وجوب تحصيل مقدّمات الحجّ قبل الموسم ، ووجوب غسل الجنابة قبل طلوع الفجر ، فلا نحتاج لهذا المبنى إلى التقسيم المذكور أصلا .
ولا يخفى أنّ القيود على قسمين : قسم منها من الأمور الغير الاختيارية للمكلّف
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 605
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٦٠٥